دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٣٠٠ - حقيقة الإرادة من اللّه (سبحانه) و من العبد
و في صحيحة صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أخبرني عن الإرادة من اللّه و من الخلق؟ فقال: الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، و أمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك؛ لأنّه لا يروّي و لا يهمّ و لا يتفكّر، و هذه الصفات منفية عنه و هي صفات الخلق، فإرادة اللّه الفعل لا غير، يقول له كن فيكون، بلا لفظ و لا نطق بلسان، و لا همّة و لا تفكّر، و لا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له [١]، و ظاهر نفي الكيف نفي الابتهاج.
و الوجدان أكبر شاهد على أنّ أفعال العباد من الطاعة و العصيان و الإيمان و الكفر، كلّها خارجة عن إرادة اللّه و مشيّته، بل إرادته و مشيّته (جلّت عظمته) قد تعلّقت بتشريع تلك الأفعال على العباد، و جعل الدنيا دار الابتلاء و الامتحان لهم؛ ليتميّز الخبيث من الطيّب، و من يستمع قول الحقّ و يتّبعه عمّن يعرض عنه و ينسى ربّه و يوم الحساب، و يشتغل بالدنيا و غرورها. نعم بما أنّ أفعال العباد تصدر عنهم بحول اللّه و قوّته، يعني بالقدرة التي أعطاها ربّ العباد إيّاهم، و أرشدهم إلى ما فيه الرشد و الهداية و سعادة دنياهم و عقباهم، يصحّ أن يسند اللّه (سبحانه) أفعال الخير إلى نفسه، كما في قوله سبحانه: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى الآية [٢]، و قوله سبحانه: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ^ [٣]، حيث إنّ كلّ ما يصدر عنّا هو من قبيل تحريك العضلات، و لكن معطي قوة الحركة و نفس العضلات هو اللّه (سبحانه)، و إذا أمسك قوّتها فلا نتمكّن من الفعل، فيكون صدور الفعل عنّا باختيارنا و إرادتنا،
[١] الكافي: ١/ ١٠٩، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل، الحديث ٣.
[٢] سورة الأنفال: الآية ١٧.
[٣] سورة الإنسان: الآية ٣٠.