دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ١١٤ - الصحيح و الأعمّ
و لكن لا يخفى أنّ إرادة ذلك من نهي الصلاة عن الفحشاء و المنكر لا يناسب تعظيم الصلاة و حثّ المؤمنين على المواظبة عليها لكي لا تضيع و لو في وقتها، بل الظاهر أنّ المراد من النهي، المنع الخارجي المترتّب على المواظبة عليها و الإتيان بما هو حقّها، فإنّ الإتيان بها كذلك يقتضي أن لا ينقدح للمؤمن داع نفساني إلى السوء و المنكر، نظير إسناد الأمر بالسوء و الفحشاء إلى الشيطان في مثل قوله سبحانه:
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [١]، و إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [٢].
و بتعبير آخر: ترتّب الامتناع عن السوء على الصلاة إنّما هو في مرحلة امتثال الأمر بها، حيث إنّ العبد إذا امتثل الأمر بها، بالتدبّر بالقراءة و الأدعية و الأذكار المشروعة في أفعالها، و التعمّق في الخشوع بها الوارد في الروايات بأنّ ذلك روحها تحصل للنفس حالة ترتقي بها عن الانحطاط المناسب للشرور و القبائح، و بوصولها إلى بعض مراتبها الكمالية، لا يحصل لها الداعي إلى ارتكاب الفحشاء و المنكرات الشرعية و يختلف هذا باختلاف مراتب الارتقاء الحاصل بمراتب الامتثال في الصلاة.
و الحاصل إنّ منع الصلاة عن الفحشاء و المنكر، إنّما هو لارتقاء النفس بها في بعض مراتب الامتثال، الملازم لعدم ميل النفس إلى الشرور و القبائح، أو لعدم تماميّة الداعي له إليها، فيكون للصلوات الصحيحة جهة جامعة في مقام الامتثال، و هي كون محتوى الأفعال و الأذكار و القراءة و الأدعية المشروعة فيها موجبة لتذكّر
[١] سورة البقرة: الآية ٢٦٨.
[٢] سورة البقرة: الآية ١٦٩.