الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٥٠٦ - عرض النبيّ صلى اللّه عليه و سلم نفسه على القبائل
[عرض النبيّ صلى اللّه عليه و سلم نفسه على القبائل]
(ثمّ) بعد أن مكث صلى اللّه عليه و سلم ثلاث سنين من أوّل نبوته مستخفيا و نزل قوله:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [١] فى السنة الرابعة من ابتداء رسالته، و أراد اللّه تعالى إظهار دينه و إعزاز نبيه و إنجاز موعده له، و أبى إلا أن يتم نوره: أمره كما فى حديث على- رضى اللّه عنه- أن يعرض نفسه على قبائل العرب ليظهر دينه على الدين كله و لو كره المشركون، فزاد صلى اللّه عليه و سلم فى إعلان أمر ربه، و جدّ و اجتهد و بالغ و (عرض) أظهر (نفسه على) كل قبيلة (من القبائل) الواردة إلى مكة و غيرها من العرب، و استمر على ذلك مدة عشر سنين، و فى هذه المدة وقع جميع ما تقدم من العرض، و الهجرة إلى الحبشة، و الخروج إلى الطائف، و الإسراء، و أعاد العرض هنا مراعاة لالتزام ترتيب الوقائع لوقوع العرض قبل الإسراء و بعده؛ و لأن العرض فيما تقدم لم يكن إلا على من كان يظن منه الإجابة.
فلما نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بالغ فى الإظهار و التعميم؛ فكان صلى اللّه عليه و سلم يتبع الحاج بمنى و الموقف يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة يأتى إليهم فى منازلهم بعكاظ [٢]، و مجنة [٣]، و ذى المجاز [٤]- أسواق عظام تأتى إليها سائر القبائل من الآفاق البعيدة- و يخبرهم (بأنّه رسول اللّه) إليهم، و يدعوهم إلى توحيده، و على أن يمنعوه ممن يؤذيه حتى يبلغ رسالة ربه كما كان يصنع
[١] سورة الحجر: ٩٤.
[٢] عكاظ: مكان بين مكة و الطائف تقام فيه سوق للعرب فى موضع كان يسمى «الأيثداء» و به كانت حرب الفجار، التي شارك النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فيها و هو طفل صغير. (مراصد الاطلاع ٢/ ١٥٣).
[٣] المجنة: بلدة كانت بمر الظهران قرب جبل يقال له: «الأصفر» و هو بأسفل مكة، و كانت تقام بها سوق للعرب.
(مراصد الاطلاع ٢/ ٤٨٥).
[٤] ذى المجاز: سوق للعرب يقع خلف عرفة. و كانت العرب إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوال، ثم تنتقل إلى سوق مجنة فتقيم فيه عشرين يوما من ذى القعدة، ثم تنتقل إلى سوق ذى المجاز فتقيم فيه أيام الحج.