الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٤٢٨ - إسلام الزبير بن العوام
(فتجرّءوا) أى أقدموا من غير مبالاة (على مبارزته) و أجمعوا (بالعداوة) عليه (و) بالغوا فى (أذاه) إلا من عصمه اللّه تعالى بالإسلام أو صدق المحبة؛ كأبى طالب. و مع ذلك فهو مديم للدعاء، متحمل لمشاقهم و قبيح كفرهم و ازدرائهم له و لما جاء به. فكان صلى اللّه عليه و سلم يطوف على الناس فى منازلهم يقول:
«اعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا» و يدعوهم إلى سبيل ربه مرة بالترغيب، و مرة بالترهيب، و مرة بالقول اللين، و أخرى بالتبكيت، و أخرى بالقول الخشن.
و ينادى عليهم فى أنديتهم بتسفيه أحلامهم و سب آلهتهم و رميها بكل عيب و سوء. فيبالغون فى أذيته و التجرؤ عليه؛ حتى أن أبا لهب كان يحذر الناس يقول: يا أيها الناس، إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم. فكان بعضهم يحثى عليه التراب، و يجعل الدم على بابه، و رموه بالسحر و الشعر و الكهانة.
و اجتمع رؤساء قريش مرة فى الحجر فذكروا ما فعل بهم من سبهم و سب آلهتهم، فطلع عليهم صلى اللّه عليه و سلم فاستلم الركن و طاف، و لما مر بهم انتقصوه فساءه ذلك، ثم مر بهم فأساءوه، ثم مر بهم فأساءوه، فوقف ثم قال: «أ تسمعون يا معشر قريش، و الذي نفسى بيده، لقد جئتكم بالذبح» فأخذتهم كلمته، و ارتعدت منها فرائصهم، فألانوا له القول و قالوا: انصرف يا أبا القاسم، فو اللّه ما كنت جهولا.
فاجتمعوا له من الغد فى الحجر و فعلوا مثل ما ذكر، ثم وثبوا إليه وثبة رجل واحد يؤنبونه- أى يوبخونه- بسب آلهتهم، فأخذ بعضهم بمجمع ردائه فقام إليه أبو بكر- رضى اللّه عنه- و حال بينهم و بينه، و وطىء عقبة بن أبى معيط على عنقه الكريم و هو صلى اللّه عليه و سلم ساجد عند باب الكعبة حتى كادت عيناه الكريمتان تبرزان، و خنقوه خنقا شديدا، و جذبوا برأسه الشريف و لحيته حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر و منعه منهم قائلا: أ تقتلون رجلا أن يقول ربّى اللّه [١]؟!
[١] أخرجه البخاري (٣٦٧٨، ٤٨١٥)، الوفا ص (١٨٨)، البيهقي فى الدلائل (٢/ ٢٧٥)، سيرة ابن إسحاق (١/ ٣١١).