الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٣٨٦ - فترة الوحى و ذكر الخلاف فيمن قرن برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من الملائكة فى نبوته
كلامه أن مجيء إسرافيل كان بعد ابتداء الوحى بسنتين، قال: كما يعرف ذلك من سائر طرق الأحاديث.
ثم رأيت فى «فتح البارى» ما يجمع به بين الروايات و نصه: و ليس المراد بفترة الوحى المقدّرة بثلاث سنين ما بين نزول «اقرأ» و «يا أيها المدثر» عدم مجيء جبريل إليه صلى اللّه عليه و سلم، بل تأخر نزول القرآن عليه فقط، ثم فى تلك المدة مكث أياما و لا يأتيه أصلا، ثم جاء بيا أيها المدثر، فكان فى تلك الأيام يختلف إليه هو أو إسرافيل- (عليهما السلام)-.
و هذا كما لا يخفى يؤخذ منه عدم المنافاة بين كون مدة فترة الوحى ثلاث سنين كما يقول به ابن إسحاق، أو سنتين و نصف كما يقول به السهيلى، أو سنتين كما يقول به السيوطى. و بين كونها أياما أقلها ثلاثة، و أكثرها أربعون كما تقدم؛ لأن تلك الأيام هى التي كانت لا يرى فيها جبريل أصلا على ما تقدم، بل و لا يرى فيها إسرافيل أيضا، و فى غير تلك الأيام كان يأتيه بغير القرآن.
و حكمة فترة الوحى عنه صلى اللّه عليه و سلم؛ ليذهب عنه ما كان يجده من الرّوع و (ليشتاق إلى) العود و (انتشاق) شم (هاتيك النّفحات) الروايح (الشّذيّة) نسبة إلى الشذا؛ و هو حدة ذكاء الرائحة الواصلة بسبب جبريل من الحضرة القدسية- و تقدم أنه كان يبدو له فى أحسن صورة و أطيب رائحة- و من ثم حزن لذلك حزنا شديدا حتى غدا منه مرارا كى يتردّى من رءوس شواهق الجبال، فكلما وافى بذروة يريد أن يلقى نفسه منها تبدّى له جبريل- (عليه السلام)- فقال: يا محمد، إنك رسول اللّه حقا فيسكن لذلك جأشه- أى اضطراب قلبه- و تقر عينه، و يرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا وافى ذروة الجبل تبدّى له مثل ذلك [١].
[١] البيهقي فى دلائل النبوة (٢/ ١٣٨)، ابن حبان (١/ ١١٧)، السيرة الشامية (٢/ ٣٦٨)، طبقات ابن سعد (١/ ١٩٦)، صحيح مسلم (كتاب الإيمان ٢٥٦)، الوفا ص (١٥٩).