الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٢٥٨ - لطيفة
و لا لبن بثديى فلا ينام صبيى من الجوع؛ لأنه لا يجد فى ثديى ما يغنيه و لا فى شارفنا ما يغذيه. قالت: و ما علمت امرأة منا إلا و قد عرض عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فتأباه إذا قيل يتيم، فو اللّه ما بقى من صواحبى امرأة إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما لم أجد غيره قلت لزوجى: و اللّه إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى و ليس معى رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه. فذهبت فإذا به مدرج فى ثوب صوف، أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، و تحته حريرة خضراء، راقد على قفاه يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه و جماله، فدنوت منه رويدا فوضعت يدى على صدره صلى اللّه عليه و سلم فتبسم ضاحكا و فتح عينيه و نظر إلىّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء و أنا أنظر؛ فقبلته بين عينيه و أعطيته ثديى الأيمن، فأقبل الثدى عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى- و كانت تلك حالته بعد- قالت: ثم أخذته بما هو إلى أن جئت به رحلى، فقام صاحبى- يعنى زوجها- إلى شارفنا تلك فإذا بها حافل [١]، فحلب فشرب و شربت حتى روينا، و بتنا بخير ليلة، فقال صاحبى حين أصبحنا: يا حليمة، و اللّه إنى لأراك أخذت نسمة مباركة، أ لم تري إلى ما بتنا به الليلة من البركة و الخير حين أخذناه، فلم يزل اللّه يزيدنا خيرا.
قالت: فودعت النساء بعضهن بعضا، و ودعت أنا أم النبيّ صلى اللّه عليه و سلم ثم ركبت أتاني و أخذت محمدا صلى اللّه عليه و سلم بين يدىّ. قالت: فنظرت إلى الأتان و قد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات و رفعت رأسها إلى السماء، ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معى، و صار الناس يتعجبون منى و يقلن النساء لى و هن ورائى: يا بنت أبى ذؤيب أ هذه أتانك التي كنت عليها و أنت جائية معنا ترفعك طورا و تخفضك أخرى؟! فأقول: تاللّه إنها هى، فيتعجبن منها و يقلن: إن لها شأنا عظيما. قالت: فكنت أسمع أتانى تنطق و تقول: و اللّه إن لى شأنا ثم شأنا، بعثنى اللّه بعد موتى، ورد لى سمنى بعد هزالى، ويحكنّ
[١] الحافل: الممتلئة الضّرع من اللبن.