الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٥٢٨ - سبب هجرة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم بنفسه الكريمة
فأمر عليه الصلاة و السلام عليّا- رضى اللّه عنه- أن يتّشح ببرده و ينام مكانه، و قال له- كما فى رواية ابن إسحاق-: «لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» [١] فكان علىّ أول من شرى نفسه فى اللّه، و وقى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.
و استشكل هذا بأنه بعد خبر الصادق: «لن يخلص إليك شيء منهم» تحقق أنه لا يصيبه منهم ضرر، فلم يكن فيه فداء بالنفس و الإيثار بالحياة، و أجيب بجواز أنه أخبره بذلك بعد أمره بالنوم و امتثاله فصدق أنه بالامتثال باع نفسه قبل بلوغ الخبر، و يحتمل أنه فهم أن لن يخلص إليك ما دام البرد عليك لجعله ذلك علّة لأمره بتغطيه به، و البرد لا يؤمن زواله عنه بريح و انقلاب فى نوم فصدق على هذا أنه باع نفسه.
و أما معارضته رواية ابن إسحاق: «لن يخلص إليك». بأنه لم يذكرها المقريزى فى «الإمتاع» و إنما فيه أنه أمره أن ينام مكانه لأمر جبريل له بذلك ففاسدة؛ إذ الترك لا يناقض، و زيادة الثقة مقبولة.
و أما ما روى- كما فى «الإحياء»-: أن اللّه سبحانه و تعالى أوحى إلى جبريل و ميكائيل أنى قد آخيت بينكما، و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة، فاختار كل منهما الحياة، فأوحى اللّه إليهما أ لا كنتما مثل على بن أبى طالب آخيت بينه و بين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه و يؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوة، فنزلا، فكان جبريل عند رأسه، و ميكائيل عند رجليه ينادى جبريل: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبى طالب يباهى اللّه به الملائكة؟، و فيه نزل: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [٢].
فقد قال الحافظ ابن تيمية: أنه كذب باتفاق علماء الحديث و السير. و قال الحافظ العراقى فى تخريج أحاديث «الإحياء»: رواه أحمد مختصرا، عن ابن
[١] سيرة ابن هشام (٢/ ٩٣- ٩٥)، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٦٦- ٤٦٨)، السيرة الشامية (٣/ ٢٣١)، المنتظم (٣/ ٤٥)، الوفا ص (٢٣٢).
[٢] سورة البقرة: ٢٠٧.