الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٢٦٩ - تنبيه
فإن قيل: كيف جعله صلى اللّه عليه و سلم علامة على النبوة، و إنما كانت بعد الأربعين؟
أجيب بجواز أنه صلى اللّه عليه و سلم لما رأى تلك الحالة العجيبة فى صغره علم أنه يكون له شأن و صار مطمئنا لما يرد عليه، فلما جاءه الوحى علم بالمقدمات المستقرة أن هذا أمر من اللّه ليس للشيطان فيه سبيل .. انتهى.
و لا ينافيه ما فى حديث عائشة- رضى اللّه تعالى عنها- من أنه رجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يرجف فؤاده إلى أن قال: «خشيت على نفسى»، فقد وجّهت الخشية على أحسن الأقوال و أصوبها بأنها من الموت، أو من المرض، أو من عدم القوة على تلقى الوحى و إطاقته، و ليس المراد أنه خشى أن يكون ما أتاه ليس من عند اللّه كما سيأتى؛ لأنه متحقق أنه من عند اللّه، فقول خديجة:
«كلا و اللّه ما يخزيك اللّه ..» إلى آخر ما فى الحديث، لعلها لم تفهم ما سبب الخوف، و لذا انطلقت به إلى ورقة.
قال القاضى عياض: و هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه. و أبطله الإمام النووى بأن شقهما كان فى بطنه و صدره كما فى الروايات، و من ثم صح عن أنس رضى اللّه عنه: «كنت أرى أثر المخيط فى صدره صلى اللّه عليه و سلم» [١].
و قد ثبت أن خاتم النبوة كان بين كتفيه صلى اللّه عليه و سلم، و ورد التصريح فى بعض الروايات بالختم على قلبه صلى اللّه عليه و سلم، ففى رواية أبى نعيم كما فى «المنح» عن حليمة عنه صلى اللّه عليه و سلم: «ثم قال- أى أشار- الملك بيده يمنة و يسرة، كأنه تناول شيئا، فإذا خاتم من نور يحار الناظر دونه، فختم به على قلبى فامتلأ نورا، و ذلك نور النبوة و الحكمة، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهرا ..» [٢] الحديث.
و يؤيد هذا ما مر فى رواية الإمام أحمد: «و ختم عليه بخاتم النبوة»، إذ ظاهره أن الختم على القلب، و إعادة الضمير هنا للنبى صلى اللّه عليه و سلم بعيد، و ينافى هذا
[١] أخرجه مسلم (كتاب الإيمان: ٢٦١)، أحمد فى مسنده (٣/ ١٢١).
[٢] أخرجه أحمد فى مسنده (٤/ ١٨٤)، و ابن عساكر (١/ ٣٨، ٣٧٢).