الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٣٧٨ - ذكر ما كان يتعبد به النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قبل النبوة
النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و يقبل (إلى ما سيلقى إليه) من ثقل الوحى الذي فيه التكاليف الثقيلة على المكلفين (بجمعيه) بإحضار القلب و سائر الحواس الظاهرية و الباطنية (و يقابله) أى يواجهه (بجد و اجتهاد، و يتلقاه) كما قال تعالى للسيد يحيى صلوات اللّه و سلامه عليه و على نبينا: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ [١].
ثم أرسله الملك فى المرة الثالثة فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [٢] حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ [٣] فرجع بها ترجف بوادره- و هى اللحمة بين العنق و المنكبين- و فى رواية: «فؤاده» أى قلبه أو باطنه أو غشاؤه. و لا مانع من اجتماع الأمرين؛ لأن تحريك البادرة ينشأ من فزع القلب- حتى دخل على خديجة فقال: «زمّلوني، زمّلوني»- أى غطونى بالثياب- فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع، ثم أخبرها الخبر، و قال: «لقد خشيت على نفسى»، و فى رواية:
«على عقلى». قالت له خديجة: «كلّا أبشر فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، و تحمل الكلّ، و تكسب المعدوم، و تقرى الضيف، و تعين على نوائب الحق [٤].
و قد اختلفوا فى معنى قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لقد خشيت على نفسى» على اثنى عشر قولا:
منها: أنه ليس المراد بالخشية الشك فيما أتاه اللّه من النبوّة: بل المراد- و اللّه أعلم- أن قوته لا تقاوم و لا تحتمل أعباء الوحى بناء على أنه قال ذلك بعد لقاء الملك و إرساله إليه بالنبوّة؛ فإن للنبوّة أثقالا لا يستطيع حملها إلا أولو العزم من الرسل، و إليه ذهب القاضى عياض.
و منها:- و إليه ذهب الحافظ ابن حجر-: أن المراد بالخشية، الموت، أو
[١] سورة مريم: ١٢.
[٢] سورة العلق: ١.
[٣] سورة العلق: ٥.
[٤] أخرجه البخاري (٦٩٨٢)، مسلم (الإيمان: ٧٣)، أحمد فى مسنده (٦/ ٢٣٢)، ابن حبان (١/ ١١٥)، البيهقي فى السنن (٧/ ٥١، ٩/ ٦)، البيهقي فى دلائل النبوة (٢/ ١٣٥)، ابن الجوزى فى الوفا ص (١٥٧).