الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٦ - ١٠٠٥- القول في الشياطين
يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ [١]و قال: وَ اَلشَّيََاطِينَ كُلَّ بَنََّاءٍ وَ غَوََّاصٍ. `وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ [٢]، و أنّه غبر كذلك حينا و هو تجاه أعينهم، فلا هم عرفوا سجيّة وجوه الموتى، و لا هو إذ كان ميّتا سقط سقوط الموتى.
و ثبت قائما معتمدا على عصاه، و عصاه ثابتة قائمة في يده، و هو قابض عليها.
و ليست هذه الصّفة صفة موتانا.
و قال: فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مََا دَلَّهُمْ عَلىََ مَوْتِهِ إِلاََّ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ [٣]و نحن دون الشّياطين و الجنّ في صدق الحسّ، و نفوذ البصر. و لو كنّا من بعض الموتى بهذا المكان، لما خفي علينا أمره و كان أدنى ذلك أن نظنّ و نرتاب.
و متى ارتاب قوم و ظنّوا و ماجوا و تكلموا و شاوروا، لقنوا و ثبّتوا. و لا سيّما إذا كانوا في العذاب و رأوا تباشير الفرج.
و لو لا الصّرفة. التي يلقيها اللّه تعالى على قلب من أحبّ، و لو لا أنّ اللّه يقدر على أن يشغل الأوهام كيف شاء، و يذكّر بما يشاء، و ينسّي ما يشاء، لما اجتمع أهل داره و قصره، و سوره و ربضه، و خاصّته، و من يخدمه من الجنّ و الإنس و الشّياطين، على الإطباق بأنّه حيّ. كذلك كان عندهم. فحدث ما حدث من موته، فلمّا لم يشعروا به كانوا على ما لم يزالوا عليه. فعلمنا أنّ الجنّ و الشّياطين كانت توهم الأغبياء و العوامّ و الحشوة و السّفلة، أنّ عندهما شيئا من علم الغيب-و الشياطين لا تعلم ذلك-فأراد اللّه أن يكشف من أمرهم للجهّال ما كان كشفه للعلماء. فبهذا و أشباهه من الأمور نحن إلى الإقرار به مضطرون بالحجج الاضطراريّة فليس لخصومنا حيلة إلاّ أن يواقفونا، و ينظروا في العلّة التي اضطرتنا إلى هذا القول؛ فإن كانت صحيحة فالصّحيح لا يوجب إلا الصحيح. و إن كانت سقيمة علمنا أنّما أتينا من تأويلنا.
و أما قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ [٤]فإنّ التعذيب يكون بالحبس، كما قال اللّه عزّ و جلّ:
لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ [٥]. و إنّما كانوا مخيّسين[٦].
[١]١٣/سبأ: ٣٤.
[٢]٣٨/ص: ٣٨.
[٣]١٤/سبأ: ٣٤.
[٤]٢١/النمل: ٢٧.
[٥]١٤/سبأ: ٣٤.
[٦]المخيس، هو من قولهم: إبل مخيسة؛ أي لا تسرح.