الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٩٩ - ١٢٥٤- نار السعالي و الجن و الغيلان
يطفئ النيران، فأراد عبد اللّه أن يبدأ بنار جور فيطفئها[١]، فقيل له: ليست للمجوس نار أعظم من نار الكاريان[٢]من دار الحارث. فإن أطفأتها لم يمتنع عليك أحد، و إن أطفأت سافلتها استعدّوا للحرب و امتنعوا. فابدأ بها. فخرج إلى الكاريان فتحصّن أهلها في القلعة. و كان رجل من الفرس من أهل تلك البلاد معروف بالشدّة. لا يقدر عليه أحد، و كان يمرّ كلّ عشيّة بباب منزله استخفافا و إذلالا بنفسه، فغمّ ذلك عبد اللّه، فقال: أ ما لهذا أحد؟!و كان مع عبد اللّه بن أبي بكرة رجل من عبد القيس، من أشدّ النّاس بطشا، و كان جبانا، فقالوا له: هذا العبدي، هو شديد جبان. و إن أمرته به خاف القتال فلم يعرض له. فاحتل له حيلة. فقال: نعم.
قال: فبينا هو في مجلسه إذ مرّ الفارسيّ، فقال عبد اللّه: ما رأيت مثل خلق هذا، و ما في الأرض-كما زعموا-أشدّ منه بطشا!ما يقوى عليه أحد!فقال العبدي:
ما تجعلون لي إن احتملته حتّى أدخله الدّار و أكتفه؟فقال له عبد اللّه: لك أربعة آلاف درهم. فقال: تفون لي بألف؟قال: نعم!فلمّا كان الغد مرّ الفارسيّ، فقام إليه العبديّ فاحتمله فيما امتنع و لا قدر أن يتحرّك، حتّى أدخله الدّار و ضرب به الأرض و وثب عليه النّاس فقتلوه، و غشي على العبدي حين قتلوه. فلما قتل أعطى أهل القلعة بأيديهم[٣]. فقتل ابن أبي بكرة الهرابذة، و أطفأ النّار، و مضى يطفئ النّيران حتّى بلغ سجستان.
و المجوس تقدّم النّار في التّعظيم على الماء، و تقدّم الماء في التّعظيم على الأرض. و لا تكاد تذكر الهواء.
١٢٥٤-[نار السعالي و الجن و الغيلان]
و نار أخرى، التي يحكونها من نيران السّعالي[٤]و الجنّ و هي غير نار الغيلان.
و أنشد أبو زيد لسهم بن الحارث[٥]: [من الطويل] [١]ورد مثل هذا الكلام في معجم البلدان (جور) .
[٢]الكاريان: مدينة بفارس صغيرة، و رستاقها عامر، و بها بيت نار معظم عند المجوس. معجم البلدان (الكاريان) .
[٣]أعطوا بأيديهم: استسلموا.
[٤]السعالي: جمع سعلاة، و هي أخبث الغيلان، و يزعمون أنها أنثى الجن. حياة الحيوان ١/٥٥٥.
[٥]الأبيات لشمر بن الحارث الضبي في الحماسة البصرية ٢/٢٤٦، و لشمير بن الحارث في نوادر أبي زيد ١٢٣، و لتأبط شرا في ديوانه ٢٥٥-٢٥٧.