الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٩٢ - ١٢٤٦- نار الاستمطار
كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات و ركد عليهم البلاء، و اشتدّ الجدب، و احتاجوا إلى الاستمطار، استجمعوا و جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثمّ عقدوا في أذنابها و بين عراقيبها، السّلع و العشر[١]، ثمّ صعدوا بها في جبل وعر ، و أشعلوا فيها النّيران، و ضجّوا بالدّعاء و التضرّع. فكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب الشّقيا. و لذلك قال أميّة[٢]: [من الخفيف]
سنة أزمة تخيّل بالنّا # س ترى للعضاه فيها صريرا[٣]
إذ يسفّون بالدّقيق و كانوا # قبل لا يأكلون شيئا فطيرا[٤]
و يسوقون باقرا يطرد السّهـ # ل مهازيل خشية أن يبورا[٥]
عاقدين النّيران في شكر الأذ # ناب عمدا كيما تهيج البحورا[٦]
فاشتوت كلها فهاج عليهم # ثمّ هاجت إلى صبير صبيرا[٧]
فرآها الإله ترشم بالقط # ر و أمسى جنابهم ممطورا[٨]
فسقاها نشاصه و اكف الغى # ث منهّ إذ رادعوه الكبيرا[٩]
سلع ما و مثله عشر ما # عائل ما و عالت البنقورا[١٠]
[١]السلع و العشر: ضربان من الشجر.
[٢]ديوان أمية بن أبي الصلت ٣٩٦-٣٩٩، و عيار الشعر ٦٠، ٢/٣٩٥، و الحماسة البصرية ٢/٣٩٥.
[٣]في ديوانه: «سنة جدبة: شديدة القحط، و هي من الأزم، و هو العض بالفم أو بالأنياب. تخيل بالناس: تشتبه عليهم فيتوهمون الخير و لا خير فيها. العضاه: كل شجر له شوك» .
[٤]في ديوانه: «سففت الدقيق: أخذته غير معجون. الفطير: العجين الذي لم يختمر.
[٥]في ديوانه: «الباقر: جماعة البقر. يبور: يهلك» .
[٦]في ديوانه: «الشكر: مفردها شكير، و هو من الشعر» . و الريش و النبت ما نبت صغاره بين كباره.
تهيج البحور: أراد تبعث المطر الغزير الذي يشبه البحور بغزارته» .
[٧]في ديوانه: «و هاجت السماء: غيمت و كثرت ريحها، و هاجت الإبل: عطشت. و الصبير: السحاب يثبت يوما و ليلة لا يبرح، كأنه يصبر، أي يحبس» .
[٨]في ديوانه: «الرشم: الأثر و العلامة» .
[٩]في ديوانه: «النشاص: السحاب المرتفع. و الواكف: الهاطل. منهّ: فاعل من نهّى الشيء و انتهى و تناهى، إذا بلغ نهايته. و ردعه عن الأمر: كفّه، و رادعوه: للمشاركة؛ فهم كفّوا عما بهم من إثم، و هو كفّ عن الانحباس و التشديد عليهم. و الكبيرا صفة قامت مقام الموصوف بعد حذفه، و التقدير: رادعوه الشر الكبيرا. منهّ: حال «نشاصه» ، أي سقاها نشاصه بالغا نهايته، و كان حقها أن تكون «منهّيا» و لكنه حذف الياء ضرورة كحذفها في الرفع و الجر.
[١٠]في ديوانه: «السلع و العشر: ضربان من الشجر. و عال الشيء فلانا: ثقل عليه، يريد أن السنة أثقلت البقر بما حملتها من السلع و العشر» .