الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٧٠ - ١٢٢٨- بعض المجاعات
من شأن يعقوب و يوسف عليهما الصلاة و السّلام حين يقول تعالى: قََالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاََ أَنْ تُفَنِّدُونِ، `قََالُوا تَاللََّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاََلِكَ اَلْقَدِيمِ [١]. و كان هذا من يعقوب بعد أن قال يوسف اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هََذََا فَأَلْقُوهُ عَلىََ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [٢]. و لذلك قال: وَ لَمََّا فَصَلَتِ اَلْعِيرُ قََالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاََ أَنْ تُفَنِّدُونِ [١]ثمّ قال: فَلَمََّا أَنْ جََاءَ اَلْبَشِيرُ أَلْقََاهُ عَلىََ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً [٣].
و إنّما هذا علامة ظهرت له خاصة؛ إذ كان النّاس لا يشتمون أرواح[٤]أولادهم إذا تباعدوا عن أنوفهم، و ما في طاقة الحصان الذي يجد ريح الحجر[٥]ممّا يجوز الغلوتين و الثّلاث[٦]. فكيف يجد الإنسان و هو بالشّام ريح ابنه في قميصه، ساعة فصل من أرض مصر؟!و لذلك قال: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [٧].
١٢٢٨-[بعض المجاعات]
و قد غبر[٨]موسى و هو يسير أربعين عاما، لا يذوق ذواقا[٩]. و جاع أهل المدينة في تلك الحطمة[١٠]، حتى كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يشدّون الحجر على بطونهم، من الجوع و الجهد[١١]. و كان النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و على آله الطّيبين الطاهرين [١]٩٤/يوسف: ١٢.
[٢]٩٣/يوسف: ١٢.
[٣]٩٦/يوسف: ١٢.
[٤]الأرواح: جمع ريح: و هي الرائحة.
[٥]الحجر: أنثى الخيل.
[٦]الغلوة: قدر رمية بسهم، و انظر الفقرة (١٢٠٨) ، ص ٤٥٥.
[٧]٩٦/يوسف: ١٢.
[٨]غبر: مكث.
[٩]الذواق: المأكول و المشروب، فعال بمعنى مفعول، و في الحديث «لم يكن يذم ذواقا» انظر النهاية ٢/١٧٢.
[١٠]الحطمة: هي السنة الشديدة الجدب، و منه حديث جعفر «كنا نخرج سنة الحطمة» .
[١١]كان النبي صلى اللّه عليه و سلم قد دعا على مضر بقوله: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، و ابعث عليهم سنين كسني يوسف» فكان القحط سبع سنين متتالية، حتى أكلوا القد و العظام. فنال ذلك الجدب النبي و أصحابه. حتى شد المسلمون على بطونهم الحجارة من الجوع. انظر صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، حديث ٩٦١، و كتاب صفة الصلاة، حديث ٧٧١، و مسلم في المساجد و مواضع الصلاة، حديث ٦٧٥، و مسند أحمد ٢/٢٣٩، ٢٥٥، و ثمار القلوب ٣٧ (١١٣) .