الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٦٠ - ١٢١٤- الصخرة الصماء
و متى رأيت البرق سمعت الرّعد بعد. و الرّعد يكون في الأصل قبله، و لكنّ الصّوت لا يصل إليك في سرعة البرق؛ لأنّ البارق و البصر أشدّ تقاربا من الصّوت و السّمع. و قد ترى الإنسان، و بينك و بينه رحله فيضرب بعصا إمّا حجرا، و إمّا دابّة، و إمّا ثوبا، فترى الضّرب، ثمّ تمكث وقتا إلى أن يأتيك الصّوت.
فإذا لم تصوّت السّحابة لم تبشّر بشيء، و إذا لم يكن لها رزّ[١]سمّيت خرساء.
١٢١٤-[الصخرة الصماء]
و إذا كانت الصّخرة في هذه الصّفة سمّيت صماء. قال الأعشى[٢]: [من الكامل]
و إذا تجيء كتيبة ملمومة # مكروهة يخشى الكماة نزالها
و على غير هذا المعنى قال كثيّر[٣]: [من الطويل]
كأني أنادي صخرة، حين أعرضت # من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت
و من هذا الشّكل قول زهير[٤]: [من الكامل]
و تنوفة عمياء لا يجتازها # إلا المشيّع ذو الفؤاد الهادي[٥]
قفر هجعت بها، و لست بنائم، # و ذراع يلقية الجران و سادي[٦]
[١]الرز: الصوت.
[٢]ديوان الأعشى ٨٣، و اللسان و التاج (حصف) ، و التهذيب ٤/٢٥٢، و المقاييس ٢/٦٧، و المجمل ٢/٧١، و العين ٣/١٢١.
[٣]ديوان كثير ٩٧، و الموشح ٢٥٢، و المقاصد النحوية ٢/٤٠٨-٤٠٩.
[٤]ديوان زهير ٢٤٤، و البيت الثاني في اللسان و التاج (هجع) ، و بلا نسبة في المخصص ٥/١٠٤، و البيت الثالث في أساس البلاغة (لحظ) ، و الإنصاف ٧٧٨.
[٥]في ديوانه: «التنوفة: القفر. يجتازها: يجاوزها. عمياء: لا طريق بها. المشيع: الجريء الشجاع الذي كأنّ معه من يشيّعه، أي لجرأته» .
[٦]في ديوانه: «هجعت: نمت. و لست بنائم: أي لم أنم على تحقيق نوم. كقولك نمت و لم أنم.
و الجران: باطن الحلق ما أصاب الأرض، و إنما تضعه من الإعياء. يقول: توسدت ذراع هذه الناقة من الكلال و التعب. توسّد ذراع ناقته، حين نزل، و قد ألقت جرانها بالأرض، و هو باطن الحلقوم، من التعب و الكلال» .