الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٠٦ - ١١٦٠- زعم زرادشت في خلق الفأرة و السّنّور
سريعا ثمّ تقف، فإنّ تلك الوقفة إنّما هي لما يعرض لها من التذكّر و الحسرة على ما فاتها من نصيبها من السمّ.
١١٥٩-[الرد على ما زعم زرادشت]
و لا أعلم العظاية في هذا القياس إلاّ أكثر شرورا من الوزغ؛ لأنها لو لا إفراط طباعها في الشّرارة، لم يدخلها من قوّة الهمّ مثل الذي دخلها و لم يستبن للنّاس من اغتباط الوزغ بنصيبه من السمّ، بقدر ما استبان من ثكل العظاية، و تسلّلها و إحضارها و بكائها و حزنها، و أسفها على ما فاتها من السّمّ.
١١٦٠-[زعم زرادشت في خلق الفأرة و السّنّور]
و يزعم زرادشت، و هو مذهب المجوس، أنّ الفأرة من خلق اللّه، و أنّ السّنّور من خلق الشّيطان، و هو إبليس، و هو أهرمن[١]. فإذا قيل له: كيف تقول ذلك و الفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت و القبائل الكثيرة، و المدن العظام، و الأرباض الواسعة، بما فيها من النّاس و الحيوان و الأموال، و تقرض دفاتر العلم، و كتب اللّه، و دقائق الحساب، و الصّكاك[٢]، و الشّروط؛ و تقرض الثّياب، و ربّما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللّحاف غربالا، و تقرض الجرب، و أوكية الأسقية و الأزقاق و القرب فتخرج جميع ما فيها؛ و تقع في الآنية و في البئر، فتموت فيه و تحوج النّاس إلى مؤن عظام؛ و ربّما عضّت رجل النّائم، و ربّما قتلت الإنسان بعضّتها. و الفأر بخراسان ربّما قطعت أذن الرّجل. و جرذان أنطاكية تعجز عنها السّنانير، و قد جلا عنها قوم و كرهها آخرون لمكان جرذانها، و هي التي فجرت المسنّاة[٣]، حتى كان ذلك سبب الحسر[٤]بأرض سبأ؛ و هي المضروب بها المثل، و سيل العرم ممّا تؤرخ بزمانه العرب. و العرم: المسنّاة. و إنما كان جرذا.
و تقتل النّخل و الفسيل، و تخرّب الضّيعة، و تأتي على أزمّة الركاب و الخطم، و غير ذلك من الأموال.
[١]أهرمن: رمز لقوة الشر، و انظر الفقرة (١١٥٨) .
[٢]الصكاك: جمع صك، و هو الكتاب. (القاموس: صكك) .
[٣]المسناة: السد الذي يعترض به الوادي.
[٤]حسر الماء عن الأرض: نضب.