الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٦٤ - ١١١٤- مسالمة الأفعى للقانص و الراعي
و الأفعى تقتل في كلّ حال و في كلّ زمان. و الشّجاع يواثب و يقوم على ذنبه، و ربّما بلغ رأسه رأس الفارس.
و ليس يقتلها-إذا تطوّقت على الطّريق و في المناهج، أو اعترضتها لتقطعها عابرة إلى الجانب الآخر-شيء كأقاطيع الشّياه إذا مرّت بها، و كذلك الإبل الكثيرة إذا مرّت، فإنّ الحيّة إذا وقعت بين أرجلها كان همتها نفسها، و لم يكن لها همة إلاّ التّخلص بنفسها؛ لئلاّ تعجلها بالوطء. فإن نجت من وطء أيديها، لم تنج من وطء أرجلها. و إن سلمت من واحدة لم تسلم من التي تليها، إلى آخرها.
و قال عمر بن لجأ، و هو يصف إبله[١]: [من الرجز]
تعرّض الحيّات في غشاشها
و قال ذو الأهدام: [من الرجز]
تعجلها عن نهشها و النّكز
و من ذلك أنّ العقرب تقع في يد السّنّور، فيلعب بها ساعة من اللّيل و هي في ذلك مسترخية مستخذية لا تضربه. و السّنانير من الخلق الذي لا تسرع السّموم فيه.
١١١٤-[مسالمة الأفعى للقانص و الراعي]
و ربّما باتت الأفعى عند رأس الرّجل و على فراشه فلا تنهشه. و أكثر ما يوجد ذلك من القانص و الرّاعي. قال الشاعر[٢]: [من الوافر]
تبيت الحيّة النّضناض منه # مكان الحبّ مستمع السّرار
قال: الحبّ: الحبيب. و النضناض من الحيّات: الذي يحرّك لسانه. و عن عيسى بن عمر قال: قلت لذي الرّمّة: ما النضناض؟فأخرج لسانه يحرّكه.
و إنما يصف القانص و أنّه يبيت بالقفر. و مثله قول أبي النجم[٣]: [من الرجز]
تحكي لنا القرناء في عرزالها # جري الرّحى تجري على ثفالها
[١]ديوان عمر بن لجأ ١٥١، و الأغاني ٨/٧٠ و حلقات الشعراء ١/٢٢٤، و اللسان (عفر) .
[٢]صواب الرواية «يستمع السرارا» و البيت للراعي النميري في ديوانه ١٤٩، و أمالي القالي ٢/٢٣، و اللسان و التاج (حبب، نضض) و التنبيه و الإيضاح ١/٥٦، و التهذيب ١١/٤٧٠، و الجمهرة ٦٤، و كتاب الجيم ١/١٦٢، و بلا نسبة في المخصص ٤/٤٣، ٨/١١٠، و أساس البلاغة (نضض) ، و المجمل ٢/٣٠.
[٣]الرجز لأبي النجم في ديوانه ١٦١، و للأعشى في اللسان و التاج (عرزل، قرن) ، و بلا نسبة في الجمهرة ٧٩٤، ١١٥٠.