الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٤٩ - ١٠٩٣- ضروب من الرّقية
فالعلماء الذين اتّسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثّقات فيما بيننا و بينهم، هم الذين نقلوا إلينا. و سواء علينا جعلوه كلاما و حديثا منثورا، أو جعلوه رجزا و قصيدا موزونا.
و متى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم أستظهر عليه بمسألة الأعراب. و لكنه إن تكلم و تحدّث، فأنكرت في كلامه بعض الإعراب، لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه عليه، لأنّه ممّن لا يؤمن عليه اللّحن الخفيّ قبل التفكر. فهذا و ما أشبهه حكمه خلاف الأوّل.
١٠٩٣-[ضروب من الرّقية]
و الرّقية تكون على ضروب: فمنها الذي يدّعيه الحوّاء و الرّقّاء؛ و ذلك يشبه بالذي يدّعي ناس من العزائم على الشياطين و الجن، و ذلك أنهم يزعمون أن في تلك الرّقية عزيمة لا يمتنع منها الشيطان، فكيف العامر[١]؟!و أن العامر إذا سئل بها أجاب، فيكون هو الذي يتولى إخراج الحيات من الصّخر. فإن كان الأمر على ما قالوا فما ينبغي أن يكون بين خروج الأفاعي الصمّ و غيرها فرق، إذا كانت العزائم و الرّقى و النّفث ليس شيئا يعمل في نفس الحيّة، و إنّما هو شيء يعمل في الذي يخرج الحيّة.
و إذا كان ذلك كذلك فالسّميع و الأصمّ فيه سواء.
و كذلك يقولون في التّحبيب و التّبغيض، و في النّشرة و حلّ العقدة، و في التّعقيد و التحليل.
و يزعمون أنّ الجن لا تجيب صاحب العزيمة حتى يتوحّش و يأتي الخرابات و البراريّ، و لا يأنس بالناس، و يتشبّه بالجنّ، و يغسل بالماء القراح[٢]، و يتبخّر باللّبان الذّكر، و يراعي المشتري فإذا دقّ و لطف، و توحّش و عزم، أجابته الجنّ، و ذلك بعد أن يكون بدنه يصلح هيكلا لها، و حتّى يلذّ دخوله وادي منازلها، و ألاّ يكره ملابسته و الكون فيه. فإن هو ألحّ عليها بالعزائم، و لم يأخذ لذلك أهبته خبلته، و ربّما قتلته، لأنها تظنّ أنّه متى توحّش لها، و احتمى، و تنظف فقد فرغ. و هي لا تجيب بذلك فقط، حتى يكون المعزّم مشاكلا لها في الطّباع.
فيزعمون أنّ الحيّات إنما تخرج إخراجا، و أنّ الذي يخرجها هو الذي يخرج سمومها من أجساد النّاس، إذا عزم عليها.
[١]يزعمون أن العامر هم من الجن الذين يسكنون بيوت الناس.
[٢]القراح: الخالص. (القاموس: قرح) . ـ