الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣٧ - ١٠٧٢- علة الفزع من الحية
حين سحروا أعين الناس جعلوا حبالهم و عصيّهم ذئابا في أعين الناس و نمورا، لجعل اللّه عصا موسى ذئبا أو نمرا، فلم يكن ذلك لخاصّة في بدن الحية.
قلنا: الدّليل على باطل ما قلتم، قول اللّه تعالى: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسىََ.
قََالَ هِيَ عَصََايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا وَ أَهُشُّ بِهََا عَلىََ غَنَمِي وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرىََ `قََالَ أَلْقِهََا يََا مُوسىََ `فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعىََ [١]و قال اللّه عزّ و جلّ: إِذْ قََالَ مُوسىََ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نََاراً [٢]إلى قوله: وَ أَلْقِ عَصََاكَ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يََا مُوسىََ لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ [٣]فقلبت العصا جانّا، و ليس هناك حبال و لا عصيّ. و قال اللّه: قََالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلََهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ `قََالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ `قََالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ `فَأَلْقىََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ [٤]فقلب العصا حيّة كان في حالات شتّى. فكان هذا ممّا زاد في قدر الحية.
و قد ورد أنه صلى اللّه عليه و سلم قال في دعائه أن لا يميته اللّه لديغا[٥]. و تأويل ذلك: أنّه صلى اللّه عليه و سلم ما استعاذ باللّه من أن يموت لديغا، و أن تكون ميتته بأكل هذا العدوّ، إلا و هو من أعداء اللّه، بل من أشدّهم عداوة.
و قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «أشدّ النّاس عذابا بوم القيامة من قتل نبيّا أو قتله نبيّ» كأنّه كان في المعلوم أنّ النبيّ لا يقتل أحدا، و لا يتّفق ذلك إلاّ في أشرار الخلق. و يدلّ على ذلك، الذي اتّفق من قتل أبيّ بن خلف بيده، و النّضر بن الحارث، و عقبة بن أبي معيط، و معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي-صبرا[٦].
و حدّثت عن عبد اللّه بن أبي هند، قال: حدّثني صيفي بن أبي أيّوب، أنه سمع أبا بشير الأنصاريّ يقول: «كان رسول صلى اللّه عليه و سلم يتعوّذ من هؤلاء السّبع: كان يقول:
اللهمّ إني أعوذ بك من الهدم[٧]و أعوذ بك من التردّي، و أعوذ بك من الغمّ [١]طه: ١٨.
[٢]النمل: ٧.
[٣]النمل: ١٠.
[٤]الشعراء: ٢٩-٣٢.
[٥]في النهاية ٤/٢٤٥ (أعوذ بك أن أموت لديغا) .
[٦]قتله صبرا: حبسه و رماه حتى مات (القاموس: صبر) .
[٧]في النهاية ٥/٢٥٢ «أنه كان يتعوذ من الأهدمين» هو أن ينهار عليه بناء، أو يقع في بئر أو أهوية.