الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢١ - ١٠٣٢- سموم الحيات و العقارب
و يقول بعض الحذّاق: إنّ سقي التّرياق بعد النهش بساعة أو ساعتين موت المنهوش.
ثم قلت له: و ما علّمك؟و بأيّ سبب أيقنت أنها تمجّ من جوف نابها شيئا؟! و لعله ليس هنالك إلاّ مخالطة جوهر ذلك النّاب لدم الإنسان!أ و لسنا قد نجد من الإنسان من يعضّ صاحبه فيقتله، و يكون معروفا بذلك؟!و قد تقرّون أنّ الهنديّة و الثّعبان يقتلان، إمّا بمخالطة الرّيق الدم، و إمّا بمخالطة السّنّ الدّم، من غير أن تدّعوا أنّ أسنانهما مجوّفة. و قد أجمع جميع أصحاب التجارب أنّ الحيّة تضرب بقصبة فتكون أشدّ عليها من العصا. و قد يضرب الرجل على جسده بقضبان اللّوز و قضبان الرّمان، و قضبان اللّوز أعلك[١]و ألدن، و لكنّها أسلم، و قضبان الرّمّان أخفّ و أسخف و لكنها أعطب.
و قد يطأ الإنسان على عظم حيّة أو إبرة عقرب، و هما ميتتان، فيلقى الجهد.
و قد يخرج السّكّين من الكير و هو محمى، فيغمس في اللبن فمتى خالط الدّم قام مقام السمّ، من غير أن يكون مجّ في الدّم رطوبة غليظة أو رقيقة.
و بعض الحجارة يكوى بها-و هو رخو-الأورام حتى يفرقها و يحمصها[٢]من غير أن يكون نفذ إليها شيء منه، و ليس إلاّ الملاقاة.
قلت: و لعلّ قوى قد انفصلت من أنياب الأفاعي إلى دماء النّاس. و قد رووا أنّه قيل لجالينوس: إنّ هاهنا رجلا يرقي العقارب فتموت، أو تنحلّ فلا تعمل، فرآه يرقيها و يتفل عليها، فدعا به بحضرة جماعة و هو على الرّيق، و دعا بغدائه فتغدّى معه، ثمّ دعي له بالعقارب فتفل عليها، فلم يجد لعابه يصنع شيئا إلاّ أن يكون ريقا.
و هو حديث يدور بين أهل الطبّ، و أنت طبيب. فلم أره في يومه ذلك قال شيئا إلاّ من طريق الحزر و الحدس، و البلاغات.
١٠٣٢-[سموم الحيات و العقارب]
و سموم الحيّات ذوات الأنياب، و العقارب ذوات الإبر، إنما تعمل في الدّم بالإجماد و الإذابة. و كذا سموم ذوات الشعر و القرون و الجمّ، إنما تعمل في العصب، و منها ما يعمل في الدم.
[١]أعلك: أشد و أمتن، و طعام عالك: متين الممضغة. (القاموس: علك) .
[٢]انحمص: انقبض و تضاءل. (القاموس: حمص) .