الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٢ - ١٠١٨- استطراد لغوي
و قد أقررنا بعجيب ما نرى من مطالع النّجوم، و من تناهي المدّ و الجزر على قدر امتلاء القمر، و نقصانه و زيادته، و محاقه[١]و استراره[٢]. و كلّ شيء يأتي على هذا النّسق من المجاري، فإنّما الآية فيه للّه وحده على وحدانيّته.
فإذا قال قائل لأهل شريعة[٣]و لأهل مرسى، من أصحاب بحر أو نهر أو واد، أو عين، أو جدول: تأتيكم الحيتان في كلّ سبت، أو قال: في كلّ رمضان. و رمضان متحوّل الأزمان في الشّتاء و الصيف و الرّبيع و الخريف. و السّبت يتحوّل في جميع الأزمان. فإذا كان ذلك كانت تلك الأعجوبة فيه دالة على توحيد اللّه تعالى، و على صدق صاحب الخبر، و أنّه رسول ذلك المسخّر لذلك الصّنف. و كان ذلك المجيء خارجا من النّسق القائم، و العادة المعروفة. و هذا الفرق بذلك بيّن. و الحمد للّه.
١٠١٧-[شنعة المسخ على صورة الخنزير و القرد]
قال اللّه تعالى: فَلَمََّا عَتَوْا عَنْ مََا نُهُوا عَنْهُ قُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ [٤] و في الموضع الذي ذكر أنّه مسخ ناسا خنازير قد ذكر القرود. و لم يذكر أنّه مسخ قوما خنازير، و لم يمسخ منهم قرودا. و إذا كان الأمر كذلك فالمسخ على صورة القردة أشنع؛ إذ كان المسخ على صورتها أعظم، و كان العقاب به أكبر. و إنّ الوقت الذي قد ذكر أنّه قد مسخ ناسا قرودا فقد كان مسخ ناسا خنازير. فلم يدع ذكر الخنازير و ذكر القرود؛ إلاّ و القرود في هذا الباب أوجع و أشنع و أعظم في العقوبة، و أدلّ على شدّة السّخطة. هذا قول بعضهم.
١٠١٨-[استطراد لغوي]
قال: و يقال لموضع الأنف من السّباع الخطم، و الخرطوم-و قد يقال ذلك للخنزير-و الفنطيسة[٥]، و الجمع الفناطيس. و قال الأعرابيّ: كأنّ فناطيسها كراكر[٦] الإبل.
[١]المحاق: آخر الشهر، أو ثلاث ليال من آخره، أو أن يستسر القمر فلا يرى غدوة و لا عشية.
(القاموس: محق) .
[٢]استرار القمر: اختفاؤه. (اللسان: ستر) .
[٣]الشريعة: مورد الماء. (اللسان: شرع) .
[٤]١٦٦/الأعراف: ٧.
[٥]فنطيسة الخنزير: خطمه. (اللسان: فنطس) .
[٦]الكراكر: جمع كركر، و هو وعاء قضيب البعير و التيس. (اللسان: كركر) .