الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٧٩ - ٩٧٤- ذكر الحيوان في القرآن
و قال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [١] فكان في ذلك دليل على ذمّ طباعه، و الإخبار عن تسرّعه و بذائه. و عن جهله في تدبيره، و تركه و أخذه. و لم يقل إني مسخت أحدا من أعدائي كلبا.
و ذكر الذّرّة فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [٢]فكان ذلك دليلا على أنّه من الغايات في الصّغر و القلّة، و في خفّة الوزن و قلة الرجحان. و لم يذكر أنّه مسخ أحدا من أعدائه ذرّة.
و ذكر الحمار فقال: كَمَثَلِ اَلْحِمََارِ يَحْمِلُ أَسْفََاراً [٣]فجعله مثلا في الجهل و الغفلة، و في قلّة المعرفة و غلظ الطّبيعة. و لم يقل إنّي مسخت أحدا من أعدائي حمارا. و كذلك جميع ما خلق و ذكر من أصناف الحيوان بالذّمّ و الحمد.
فأمّا غير ذلك ممّا ذكر من أصناف الحيوان، فإنّه لم يذكره بذمّ و لا نقص، بل قد ذكر أكثرهنّ بالأمور المحمودة، حتّى صار إلى ذكر القرد فقال: وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ [٤]فلم يكن لهما في قلوب النّاس حال. و لو لم يكن جعل لهما في صدور العامّة و الخاصّة من القبح و التّشويه، و نذالة النّفس، ما لم يجعله لشيء غيرهما من الحيوان، لما خصّهما اللّه تعالى بذلك.
و قد علمنا أنّ العقرب أشدّ عداوة و أذى، و أفسد، و أنّ الأفعى و الثّعبان و عامّة الأحناش، أبغض إليهم و أقتل لهم، و أنّ الأسد أشدّ صولة، و أنّهم عن دفعهم له أعجز، و بغضهم له على حسب قوّته عليهم، و عجزهم عنه، و على حسب سوء أثره فيهم.
و لم نره تعالى مسخ أحدا من أعدائه على صورة شيء من هذه الأصناف.
و لو كان الاستنذال و الاستثقال و الاستسقاط أراد، لكان المسخ على صورة بنات وردان أولى و أحقّ. و لو كان التّحقير و التّصغير أراد، لكانت الصّؤابة و الجرجسة أولى بذلك. و لو كان إلى الاستصغار ذهب لكان الذّرّ و القمل و الذّباب أولى بذلك.
و الدّليل على قولنا قوله تبارك و تعالى: إِنَّهََا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ.
طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيََاطِينِ [٥]و ليس أن النّاس رأوا شيطانا قطّ على صورة، و لكن [١]١٧٦/الأعراف: ٧.
[٢]٧-٨/الزلزلة: ٩٩، و انظر التعليق نفسه في ثمار القلوب (٦٤٥) .
[٣]٥/الجمعة: ٦٢.
[٤]٦٠/المائدة: ٥.
[٥]٦٤-٦٥/الصافات: ٣٧، و انظر التعليق نفسه في ثمار القلوب (١٥٧) .