رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٣٠٩ - (الفصل الثالث فى أنّ كلّ قسم من القسمين على أىّ صنف واجب)
يستحب و يكره حتى لا يفوته حق التضرع و الاشتياق و الفزع الى العقل الفعال و الفلك الدوّار ليفيض عليه من جوده و ينجيه من عذاب وجوده و يخلصه من أماني بدنه و بوصله الى منتهى أمله فانه لو انقطع عنه قليل خير من فيضه لسارع الى كثير شرّ و لصار أدنى من البهائم و السباع* و أما من غلبت قواه الروحانية و سلط على هواه قوته الناطقة و تجردت نفسه عن أشغال الدنيا و علائق العالم الأدنى فهذا الأمر الحقيقى و التعبد الروحانى و الصلاة المحضة التي قررناها واجبة عليه أشد وجوب و أقوى الزام لانه استعد بطهارة نفسه لفيض ربه فلو أقبل بعشقه و اجتهد فى تعبده لسارعت اليه الخيرات العلوية و السعادات الأخروية حتى اذا انفصل عن الجسم و فارق الدنيا يشاهد ربه و يجاور حضرته و يلتذ بمجاورة جنسه و هم سكان الملكوت و اجرام عوالم الجبروت (و هذه الصلاة) قد وجبت على سيدنا و مفيد ديننا محمد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم ففي ليلة تجرد عن بدنه و تنزه عن أمله فلم يبق معه من آثار الحيوانية شهوة و لا من لوازمه الطبيعية قوة فناجى ربه بنفسه و عقله فقال له يا رب لقد وجدت لذة غريبة فى ليلتى هذه فاعطنى سبيلا الى استدامتها و يسر لى طريقا يوصلنى كل وقت اليها فأمره اللّه تعالى بالصلاة و قال يا محمد (المصلى يناجى ربه) و لأصحاب الظاهر من ذلك حظ ناقص و للمحققين حظ وافر و نصيب كامل و من كان حظه أكمل فثوابه أجزل (فهذا ما أردت إيجاز القول فيه بهذه العجالة) بعد ما طال احجامى عن