رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٩٩ - شروح على الفصل السابع
الاطباء بالمفكّرة و لكن الفلاسفة المحصّلين يطلقون عليها اسمين و هما المفكّرة و المتخيّلة. و كما ان الدرجة الاولى مكلّفة بعمل لا يتجاوز الانفعال فبخلاف ذلك الدّرجة الثانية مكلفة بعمل حقيقي و هو ان تاخذ المعاني المفردة المودعة في الحسّ المشترك و تضممها بعضا الى بعض أو تفصلها بعضا عن بعض. و النتيجة او الحاصل الصادر عن هذه العملية يمكن ان يكون مطابقا للحقيقة او غير مطابق لها.
و اذا استخدم العقل أي الفهم موادّ هذه العملية الداركة تسمّى هذه القوة بالمفكّرة و لكن اذا استخدمتها القوة التي تحكم حكما قطعيّا او ظنّيّا فحينئذ تسمّى بالمتخيّلة اما الدرجة الثالثة فتمتاز عن الاثنتين السابقتين امتيازا عظيما و ذلك ان الاثنتين انما ينحصر عملهما في انهما مكلّفتان بالنظر الى صور الاشباح و المحسوسات. فالاولى منهما انما تأتي بالادراكات على الحالة التي أبلغتها لها الحواسّ الخمس الظاهرة فلذلك يجوز ان يقال فيها انها بمثابة حافظة الحواسّ الظاهرة و ذاكرتها. اما الثانية منهما فتجمع هذه الادراكات معا او تفرّقها. و لكن الثالثة فانها تصدر حكما على نفس معنى الادراك و تهيّئ و تكيّف من الصور المفردة معاني مفردة أي جزئية. غير انه في تعريفات السيّد الجرجاني و في عجائب القزويني قد قيل ان الدرجة الثانية هي التي تهيئ المعاني الجزئية. و في كتاب القانون لا يعيّن لهذه القوّة محلّ او مقرّ في الدماغ.
و في كتاب النجاة قد تعيّن لها القسم المؤخّر من التجويف الثاني في الدماغ. و في هذه الرسالة اي الهدية يقول ابن سينا ان سلطانها في جميع الدماغ. و من الواضح ان هذا تعبير مخلّ أو غلط من الناسخ فانه لا يعقل حلول القوة الظانّه الحاكمة حكما في حيّز الذكر و الحفظ اذ هذا هو مستودع لما حصّلته من المعاني. فهذه الثالثة هي التي تسمّى بالوهم ثم اخيرا القوة التي تدّخر ما حصّلته السابقة من تصديقات اي معان و تسمّى بالحافظة و مقرّها في التجويف المؤخر من الدماغ. و ارتاب ابن سينا فيها هل هي