رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٩٣ - شروح على الفصل السادس
ثم في الحيوان قوة تحكم على الشيء بانه كذا أو ليس كذا بالجزم و بها يهرب الحيوان عن المحذور و يقصد المختار. و بيّن ان هذه القوة غير القوة المتصوّرة إذ القوة المتصوّرة تتصوّر الشمس على حسب ما أخذت من الحسّ على مقدار قرصها و الاخر (لعل الصواب و الأمر) في هذه القوة بخلاف هذا. و كذلك السبع يلقى الصيد من البعيد على حجم الطائر الصغير فلا يشكل عليه صورته و مقداره بل يقصده و بيّن ايضا ان هذه القوة غير المتخيّلة و ذلك ان القوة المتخيّلة تفعل أفاعيلها من غير اعتقاد منها ان الامور على حسب تصوّراتها و هذه القوة هي المسماة بالمتوهّمة و الظّانّة ٥ ثم في الحيوان قوة تحفظ معاني ٦ ما أدركته الحواسّ مثل ان الذئب عدوّ و الولد حبيب وليّ فمن البيّن ان هذه القوة غير المتصوّرة و ذلك ان المتصوّرة لا صور فيها الّا ما استفادتها من الحواسّ. ثم الحواس لم تحسّ بعداوة الذئب و لا محبة الولد بل صورة الذيب و خلقة الولد و اما المحبة و الاضرار فانما نالهما (ق ناكرهما) الوهم ثمّ خزنهما (ق حسّ بهما) في هذه القوة. و بيّن ان هذه القوة غير المتخيّلة و ذلك ان المتخيّلة قد تتخيّل غير ما استصوبه الوهم و صدّقه و استنبطه من الحواسّ و اما هذه القوة فلا تتصوّر غير ما استصوبه الوهم و صدّقه و استنبطه من الحواسّ.
و هذه القوة غير القوة المتوهّمة و ذلك لان القوة المتوهمة ليست تحفظ ما صدّقه شيء آخر بل تصدّق (قرئ قصد) بذاتها و اما هذه القوة فانها لا تصدّق بذاتها بل تحفظ ما صدّقه شيء آخر و هذه القوة هي المسمّاة بالحافظة و المتذكّرة. و القوة المتخيّلة اذا استعملتها القوة المتوهّمة بانفرادها