رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٥٧ - (الفصل السادس عشر فى الإنسان)
[١٦ ا] للنفس المعقولات الأولى على نحو الحصول الذي نذكره، و هذا يسمّى العقل بالملكة. و درجة ثالثة هى أن تحصل للنفس المعقولات المكتسبة فتحصل النفس عقلا بالفعل؛ و نفس تلك المعقولات تسمّى عقلا مستفادا. و لأنّ كل ما يخرج من القوة إلى الفعل فانما يخرج بشيء يفيده تلك الصورة، فاذن العقل بالقوة إنما يصير عقلا بالفعل بسبب يفيده المعقولات و يتصل به أثره، و هذا الشىء هو الذي يفعل العقل فينا. و ليس شىء من الأجسام بهذه الصفة. فاذن هذا الشىء عقل بالفعل و فعّال فينا فيسمى عقلا فعّالا، و قياسه من عقولنا قياس الشمس من أبصارنا: فكما أن الشمس تشرق على المبصرات فتوصّلها بالبصر، كذلك أثر العقل الفعال يشرق على المتخيّلات فيجعلها بالتجريد عن عوارض المادّة معقولات فيوصلها بأنفسنا.
فنقول: إن إدراك المعقولات شىء للنفس بذاتها من دون آلة، لأنّك قد علمت أن الأفعال التي بالآلة كيف ينبغى أن تكون، و نجد أفعال النفس مخالقة لها. و لو كان تعقل بآلة لكان تعقل الآلة دائما، لأنها لم تخل: إما أن تعقل الآلة بحصول صورة الآلة، أو بحصول صورة أخرى. و محال أن يعقل الشىء بصورة شىء آخر. فإذن تعقله بصورته. فإذن يجب أن تحصل صورته. و حصول صورته لا يخلو من وجوه: إمّا أن تحصل الصورة فى نفس النفس مباينة للآلة، أو تحصل الصورة فى نفس الآلة، أو تحصل الصورة فيهما جميعا. فان كانت الصورة تحصل فى النفس و هى مباينة فلها فعل خاص لأنها قد قبلت الصورة من غير أن حلّت تلك الصورة معها فى الآلة .. فان كان حصول الصورة فى الآلة. فيجب أن يكون العلم بها دائما إذ [١] كان العلم بحصول
[١] ص: إذا.