رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٤٠٣ - الطير
فقال بعضنا لبعض سارعوا فلن نأمن الا بعد أن تجوزها ناجين فعانينا الشدّ حتى أتينا على ستة من شوامخها و انتهينا الى السابع فلما تغلغلنا تخومه قال بعضنا لبعض هل لكم فى الجمام فقد أوهننا النصب و بيننا و بين الاعداء مسافة قاصية فرأينا أن نخص للجمام من أبداننا نصيبا فان الشرود على الراحة أهدى الى النجاة من الانبتات فوقفنا على قلته فاذا جنان مخضرة الأرجاء. عامرة الاقطار مثمرة الاشجار جارية الانهار يروى بصرك نعيمها بصور تكاد لبهائها تشوش العقول و تستبهت الالباب و تسمعك ألحانا مطربة لآذاننا و أغانى شجية و تشمك روائح لا يدانيها المسك السرىّ و لا العنبر الطرىّ فأكلنا من ثماره و شربنا من أنهاره و مكثنا به ريث ما أطرحنا الاعياء فقال بعضنا لبعض سارعوا فلا مخدعة كالأمن و لا منجاة كالاحتياط و لا حصن أمنع من اساءة الظنون و قد امتد بنا المقام فى هذه البقعة على شفا غفلة و وراءنا أعداؤنا يقتفون آثارنا و يتفقدون مقامنا فهلموا نبرح و نهجر هذه البقعة و ان طاب الثواء بها فلا طيب كالسلامة و أجمعنا على الرحلة و انفصلنا عن الناحية و حللنا بالثامن منها فاذا شامخ خاض رأسه فى عنان السماء تسكن جوانبه طيور لم ألق أعذب ألحانا و أحسن ألوانا و أظرف صورا و أطيب معاشرة منها و لما حللنا فى جوارها عرفنا من احسانها و تلطفها و إيناسها ما تغمدتنا به و أيادى لن نفى بقضاء أهونها و ان قصرنا عليه مدة عمرنا بل استمددنا اليه أضعافا و لما تقرر بيننا و بينها الانبساط أوقفناها على ما ألمّ بنا فأظهرت المساهمة فى الاهتمام و ذكرت أن وراء هذا الجبل