رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٢٦١ - رسالة فى السعادة و الحجج العشرة على ان النفس الانسانية جوهر
و المستأثرة بعينها و من الظاهر ان ما يستأثر لذاته و سائر الأشياء يستأثر لاجله افضل فى حقيقة ذاته مما يستأثر لغيره لا لذاته فقد تبين ان السعادة هى افضل سعى الحىّ لتحصيله و قد كنا وصفنا ان تناسب الهدايات بعضها الى بعض على حسب تناسب الغايات فاذا الهداية الى السعادة افضل هداية و ازكى معروف و هدية و ما من احد من المعارف افرض فى الهداية من الاخ الشفيق فجدير على العاقل ان يبقى افضل ولى بافضل سعادة- ثم السعادة قد يظن بها انها الفوز باللذات الحسية و الرئاسات الدنيوية و بين لمن تحقق الامور ان اللذات العاجلة ليس شيء منها بسعادة اذ كل واحد منها لا يخلو من نقائص جمة منها ان كل واحد منها لن يصفو لمتعاطيها عن شوب المكروه- و منها ان كل واحد منها لن يأمن مترجيها او نائلها عن و شك التقضى و منها انها لن تعرى عن تعقب الملال اما فى ذاتها او فى الخصائص المستفادة بها فان الملك و ان لم يمل بذاته فانه لن يخلص عن الاملال فى المعانى التي يطلب الملك لاجلها مثل تعاطى لذة صادرة عن تقاضى الشهوة او تنفيذ مقدرة صادرة عن ذات الغضب و ما ضاهاها- و منها ان كل مرتبة نيلت من جملتها ان يقنع [١] المطمئن الى زخارفها دون المقدار الى حوز ما هو فوقها- و منها ان كل واحدة يمكن التقاصر عنها من غير اخلال فى محض الانسانية فى العاجل و نيل الفوز فى الآجل و منها ان كل من يتعاطاها و ينهمك فيها انقطعت السكينات الالهية عن صدره و امتنع الفيض الربوبى عن الحلول فيه لامتناعه عن قبوله كما قال عليه السلام (ان الحكمة لتنزل من السماء فلا تدخل قلبا فيه هم غد) و بين حقيقة ذلك لمن تأمل حال تجريد نفسه بشيء من النيات الخالصة الالهية التي تزكو نفسه بها بقوتها العملية او بداره الى تحقيق مسئلة حكمية تقربها عين نفسه التي بها يبصر و هى قوتها النظرية فانه مهما سعى لاحدهما لم يتأت له وصوله الا بعد قطع
[١] كذا و لعله من جبلتها ان يسعى-