تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٩
الآخر و النشأة الثانية، كما قال اللّه سبحانه، و ذكر خلق الإنسان حتى أكمله ثم قال:
(ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ)؛ فهذه جملة من القول فى تأويل الموت قدمناها قبل ذكر ما جاء فى كتاب الدعائم الّذي قصدنا إلى تأويل ما فيه من ذكر الموت و الميت و ما يصنع به فى ظاهر أمره، و نحن نذكر ذلك و تأويله فى الباطن إن شاء اللّه، فالذى جاء فى ابتداء كتاب الجنائز من الدعائم ذكر العليل و العيادات و الاحتضار فالعلل فى الظاهر هى سبب الموت الظاهر الّذي به تكون النقلة عن دار إلى دار، و العلة فى الباطن هى العلة و السبب الّذي يوجب نقلة المؤمن من حال إلى حال، و العيادة فى الظاهر افتقاد العليل و تعرف أحواله، و العيادة فى الباطن افتقاد أحوال من يراد نقلته من المؤمنين عن حال إلى حال و عن درجة إلى درجة يوقف على حقيقة حاله و ما ينبغى أن ينقل إليه و إنما يفتقد ذلك منه من هو فوقه كما لا يعود العليل إلا الصحيح الّذي هو أقوى منه و أصحّ و ليس يعوده من كان فى مثل حاله، و الاحتضار فى الظاهر هو حضور الموت و قرب النقلة من الدنيا إلى الآخرة، و باطنه كذلك قرب نقلة المؤمن من الحال التى ينقل عنها إلى الحال التى ينقل إليها.
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه عاد رجلا من الأنصار فشكا إليه ما يلقى من الحمى، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إن الحمى طهور من رب غفور»، فقال الرجل بل الحمى تفور بالشيخ الكبير حتى تحله القبور، فغضب صلى اللّه عليه و سلم لرده قوله، و قال له: «ليكن ذلك بك» فمات من علته تلك، و أنه قال صلى اللّه عليه و سلم: «يكتب أنين العليل حسنات ما صبر، فإن جزع كتب هلوعا لا أجر له»، و قال صلى اللّه عليه و آله: «حمى يوم كفارة سنة»، و عن على صلوات اللّه عليه أنه قال: المريض فى سجن اللّه ما لم يشك إلى عواده تمحى سيئاته، و أى مؤمن مات مريضا مات شهيدا، و كل مؤمن شهيد و كل مؤمنة حوراء و أى ميتة مات بها المؤمن فهو شهيد، و تلا قول اللّه عز و جل: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَدٰاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) تأويل ذلك فى الباطن أن الحمى و غيرها من العلل الظاهرة مثل فى الباطن لما يمتحن به المؤمن من هو فوقه إذا أراد أن ينقله من حال إلى حال، فتلك المحنة طهر له و كفارة لذنوبه إذا صبر عليها و لم يشك إلى أحد صعوبة المحنة عليه ليخفف منها عنه و لم يضجر من ذلك حسب ما يكون مثل ذلك فى الظاهر