تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٧٨
و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال ليس فى مال يتيم و لا معتوه زكاة إلا أن يعمل به، فإن عمل به ففيه الزكاة فهذا فى الظاهر، كذلك حكمه أن اليتيم ليس يزكى ماله إلا أن يصير إلى عامل فتجب فيه الزكاة على من عمل به. و تأويل ذلك ما قد تقدم القول به بأن مثل اليتيم فى تأويل الباطن مثل الإمام، لأنه منقطع القرين فلا أب له و ماله، هاهنا فى الباطن هو ما ملكه اللّه من العلم و فضله به على سائر الناس مما لا ينبغى لغيره فذلك ليس عليه أن يعطى أحدا منه شيئا لأنه قسطه من العلم الّذي لا يكون إلا لمن يقوم مقامه من بعده يرثه عنه على ما قدمنا ذكره؛ فأما ما يصل من علمه إلى من يستفيد منه و يفيد من دونه فذلك هو مثل العمل بمال اليتيم فى الباطن و على مفيد ذلك أن يزكى به المستفيدين منه؛ و مثل المعتوه فى التأويل، و هو الّذي عدم عقله مثل من ضل عن إمام زمانه لأن الإمام كما تقدم القول مثله مثل العقل الّذي به يعطى اللّه عز و جل من يعطيه و يأخذ من يأخذ منه و به يثيب و به يعاقب و من ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إن اللّه جل و عز لما خلق العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال و عزتى و جلالى ما خلقت خلقا هو أكرم على منك بك آخذ و بك أعطى و بك أثيب و بك أعاقب». و قد ذكرنا فيما مضى فى غير هذا الكتاب تأويل ذلك بطوله، فالمعتوه الّذي لا عقل له مثله فى الباطن مثل الضال الّذي لا إمام له يأتم به، فإن كان ممن كان يأتم قبل ذلك بإمام و أوتى علما لم يكن ذلك العلم مما ينبغى أن يؤخذ من قبله و لا أن يتطهر به إلا أن يصير إلى من يجوز له أن يفيد منه فيزكى و يطهر به و يتطهر كما يكون فى الظاهر من عمل بمال معتوه و جبت عليه فيه الزكاة.
و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال فى الدين:
يكون للرجل على الرجل دين أنه إن كان غير ممنوع منه يأخذ متى شاء بلا خصومة و لا مدافعة فهو كسائر ما فى يديه من ماله يزكيه و إن كان الّذي هو عليه يدافعه عنه و لا يصل إليه إلا بخصومة فزكاته على الّذي هو فى يديه، فهذا فى الظاهر هو حكم الزكاة فى الديون، و تأويل ذلك أن من كان يستفيد ممن فوقه فهو يفيد من دونه و كان حظه من العلم و الحكمة يصل إليه من مفيده متى أحب ذلك إذا استمده أمده و إذا سأله أجابه، فذلك الحظ الّذي هو قسطه من العلم ما لم يصل