تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٥٣
من كل بدنة، فطبخ ذلك اللحم و أكل هو و عليّ صلوات اللّه عليهما منه، و حسوا من مرقه، و قال رسول اللّه (صلع): «من حسا من المرق فقد أكل من اللحم» و قال:
المرق أحد اللحمين ففعل ذلك ليكونا قد أكلا من كل بدنة و لأنه أشرك كما ذكرنا عليّا (ص) فى هديه و هديه مثل لجميع أمته الذين هداهم اللّه عز و جل به و إشراكه عليّا (ص) فى ذلك مثل لإقامته فيهم مقامه من بعده و قوله: «من كنت مولاه فعلى مولاه» يبين ذلك، قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: و كذلك ينبغى لمن أهدى هديا تطوعا أو ضحى أن يأكل من هديه و أضحيته ثم يتصدق، و ليس فى ذلك توقيت، قال اللّه عز و جل: «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ» [١] و قال: «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» فهذا فى الظاهر هو الواجب، و مثل ذلك فى الباطن ما أوجبه اللّه عز و جل لرسوله و وصيه فى عصره و لوصيه و الأئمة من بعده فى أموال المؤمنين و أباح لهم أكلهم منها على ما فرضه، و كذلك يجعل الإمام لمن أقامه للقيام بدعوة الحق ما فرض اللّه عز و جل فى ذلك فقد ذكر سبحانه فى كتابه ما أوجبه لرسوله و الأئمة من أهل بيته و للعاملين على ما استعملهم عليه فى ذلك.
و يتلو ذلك ما جاء عنه صلوات اللّه أنه قال من ضحى أو أهدى هديا فليس له أن يخرج من منى منه بشيء إلا ما كان من السنام للدواء أو الجلد أو الصوف و الشعر و العصب و الشيء ينتفع به، و يستحب أن يتصدق بالجلد، و لا بأس أن يعطى الجلد و الجلال للجازر فى أجرته فهذا كله يجب فى الظاهر، و تأويله فى الباطن أن الخروج من منى بعد قضاء الحج و نفر الناس إلى بلدانهم مثل حشرهم و انتقالهم عن الدنيا إلى الآخرة التى هى دار قرارهم فليسوا يتزودون إليها شيئا من متاع الدنيا، و الزاد منها كما قال اللّه عز و جل التقوى، و ذلك مثل ما قيل إنه يحمل من منى مما يصاب من الهدى للتداوى به.
و يتلو ذلك ما جاء عنه صلوات اللّه عليه أنه قال: من اشترى هديا أو أضحية يرى أنها سمينة فوجدها عجفاء فقد أجرت عنه، و كذلك إن اشتراها و هو يرى أنها عجفاء فوجدها سمينة فإنها تجزى عنه، فهذا فى الظاهر هو الواجب، و تأويله فى الباطن أن من كان من المعاملين فى دعوة الحق قد ضم إليه مستفيدا و هو يرى أن له علما فلم يجده عالما لم يجب له، رفضه و عليه أن يعلمه ما يجب لمثله أن يعلمه.
[١] سورة الحج: ٢٨.