تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٩٩
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلع) أنه قال: «من استؤسر بغير جراحة مثخنة فليس منا» فهذا فى الظاهر كذلك يجب ألا يستأسر المؤمن للمشركين أو لمن حاربه من أهل البغى و هو يقدر على المدافعة، و مثل ذلك فى الباطن أنه لا يحل للمؤمن أن يأتى شيئا مما نهى اللّه عز و جل عنه و إن أكره عليه إلا أن يكون لا يستطيع دفع من أكرهه عن نفسه و يخالف الهلاك إن لم يفعل، و قد قال اللّه جل من قائل: «إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» فأما من فعل ذلك و هو يقدر أن يدفعه فليس من المؤمنين كما قال رسول اللّه (صلع)؛ و يتلو ذلك ما جاء عن على (صلع) أنه خطب الناس بالكوفة فقال: «يا معشر أهل الكوفة لتصبرن على قتال عدوكم أو ليسلطن اللّه عليكم قوما أنتم أولى بالحق منهم»، و قال: «الفرار من الزحف من الكبائر»، و قال جعفر بن محمد صلى اللّه عليه: من فر من اثنين فقد فر و من فر من ثلاثة لم يكن فارّا، لأن اللّه عز و جل افترض على المسلمين أن يقاتلوا مثل أعدادهم من المشركين، و الصبر على قتال العدو فى الظاهر مما أمر اللّه عز و جل به و ذكره فى غير موضع من كتابه، و تأويل ذلك ما قد تقدم القول به من الجهاد باللسان و جهاد النفس الأمارة بالسوء، و الجهاد بالقلب و النية، و غير ذلك مما تقدم القول به من الجهاد بأنه مثل للجهاد الظاهر و كل ذلك يجب الصبر فيه و العزم عليه، و ألا يحجم المرء عنه، و مثل الرخصة فى الفرار من الزحف إذا كثر العدد و خيف غلبته مثل الإمساك عن جدال المخالفين إذا غلب أمرهم و قوى و خاف من يجادلهم على نفسه منهم، فله أن يمسك عن مناظرتهم و إن كان مأذونا له فى ذلك و إن رأوا أنهم قد خصموه و أنه لا حجة عليهم عنده، و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه نهى عن قطع الشجر المثمر أو حرقه يعنى فى دار العدو و غيرها، إلا أن يكون ذلك من الصلاح للمسلمين، فقد قال اللّه عز و جل: «مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اللّٰهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفٰاسِقِينَ» [١]، فهذا هو الواجب فى ظاهر الأمر، و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن الشجر أمثال البشر، و مثل قطع الشجر مثل إزالة الناس عن مراتبهم و حدودهم، و أمثال الشجر المثمر أمثال الذين أثمروا ما يتولونه و انتفع بهم فيه، فليس ينبغى إزالتهم
[١] سورة الحشر: ٥