تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧
عنه و إن كان ذلك لم يخالطه و كان خالصا لمفيده سلم الأمر إليه فيه و لم يدعه لنفسه، و قد ذكرنا مثل عورة الرؤساء و أنها ستر علمهم الّذي لا يكشفونه إلا لمن يصير فى مثل حالهم و القلنسوة فى مثل حال العمامة و قوله و لا يترك عليه معقود إلا حُل، فذلك فى الظاهر أمر الميت كذلك يكون لأنه تعقد أكفانه عند رأسه و عند رجليه لئلا ينحل عنه فإذا أنزل إلى قبره حل ذلك عنه، و تأويل ذلك أنه إذا صار إلى الدرجة التى مثلها مثل الدفن حل عنه ما كان قد عقد عليه و منع عليه و منع منه فى الدرجة التى كان فيها قبل ذلك و أطلق له.
و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال:
الغرق و الحرق يغسلان و هذا هو الواجب فى الظاهر أن من مات غرقا أو حرقا غسل و صنع به ما يصنع بالميت، و تأويل ذلك فى الباطن أن الميت فى الماء هو المنقول على ما وصفنا فيما تقدم من درجة من درجات دعوة الحق إلى درجة و قد صار من العلم إلى ما استجير فيه و غرق فى بحره فتحير و مثل الحرق مثل من أحرقه الباطل و أتلفه فإذا نقل إلى ما يراد به نجاته و حياته كما يكون المنقول بالموت ينقل إلى دار الحياة الدائمة غسل بالعلم الّذي ذكرنا أن مثله، مثل الماء و كذلك يغسل المطيع و العاصى و البر و الفاجر من أهل الملة فى الظاهر و الباطن النقلة الظاهرة و الباطنة، و قد تقدم البيان على ذلك، و النار عذاب و محنة فإذا خالط الذهب أو الفضة اللذين هما من أرفع الجواهر غش أدخل ما خالط منهما ذلك النار أو امتحن بها فتذيبه و تأكل ما تداخله من الغش و تنقله، فيصفو عند ذلك بعد محنة و شدة تناله فإذا حمى أنزل فى الماء فيبرد و ذلك فى التأويل الباطن مثل المؤمن إذا تداخله الفساد امتحن بما يشق عليه حتى يخلص و يصفو مما خالطه من الفساد ثم يعامل بما يحييه من العلم و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من قوله أحبسوا الغريق يوما و ليلة ثم ادفنوه، و عن أبى جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال فى الرجل يصيبه الصاعقة لا يدفن دون ثلاث إلا أن يتبين موته و يستيقن فهذا هو المأمور به فى الظاهر، و الدفن فى الباطن حد من حدود دعوة الحق ينقل إليه من ينقل فى حدودها و سيأتى ذكره فى موضعه إن شاء اللّه و التأنى بالغرق و الصعق فى ذلك و هما ممن وصفنا هما فى الباطن ينبغى إلى أن يظهر منهما ما يوجب نقلتهما إلى ذلك الحد على ما يظهر فى ذلك و يجب عند من ينقلهما.