تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٦٣
العمرة فى الظاهر و الباطن و بينا ذلك فى كلام طويل ذكرناه فى موضعه. و يتلو ذلك ما جاء عنه (ع) أن سئل عن العمرة بعد الحج فقال: إذا انقضت أيام التشريق و أمكن الحلق فاعتمروا، فهذا فى الظاهر كذلك يكون، و تأويله فى الباطن أن لمن شاء إذا قضى السعى إلى إمامه و زيارته و الاتصال به أن يسعى كذلك و يتصل بحجته على ما قدمنا ذكره.
و يتلو ذلك ما جاء عنه أنه قال: العمرة المبتولة يعنى المفردة طواف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة يعنى على ما تقدم من سنة الطواف و السعى، ثم إذا شاء أن يحل من ساعته حل و يقطع التلبية إذا دخل الحرم، و إذا طاف المعتمر و سعى حلّ و انصرف إن شاء؛ و إن كان معه هدى نحره بمكة و إن أحب أن يطوف بالبيت تطوعا ما شاء فعل؛ فهذا فى الظاهر هو الواجب فى العمرة و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن من أفرد السعى و القصد إلى الحجة لم يكن عليه غير ذلك فإذا قضاه انصرف إن شاء من وقعته و إن أقام متصلا بالحجة متطوعا بذلك فذلك له، و تأويل نحر الهدى إن ساقه بمكة أنه إن تطوع بأن يهدى مستجيبا إلى الإيمان و جاء به معه إلى حضرة الحجة كان عليه أن يسعى فى إيصاله إلى دعوة الحق و هى دعوة الرسول كما ذكرنا أنها مثل مكة فى التأويل و مثل نحر الهدى و ذبحه كما ذكرنا فى الباطن أخذ العهد عليه.
و يتلو ذلك ذكر الصد: الصل عن البيت المنع منه، و ذلك أن يحول العدو بين من يريد الحج و بين البيت، و من ذلك قول اللّه عز و جل: «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ [١] وَ الْهَدْيَ، مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ» و ذلك لما خرج رسول اللّه (صلعم) عام الحديبية يريد العمرة قبل فتح مكة فخرج المشركون إليه ليمنعوه و لم يكن خرج لحرب فوادعهم على أن يعتمر من قابل و نحر الهدى مكانه بالحديبية و انصرف، و هذا كذلك يجب فى الظاهر إن خرج قوم يريدون الحج أو العمرة أو يريدهما معا فصدهم عدو من ذلك لم يستطيعوا دفعه، فإن كان معهم هدى نحروه و انصرفوا، و تأويل ذلك فى الباطن أنه من خرج يريد إمام زمانه فصده عدو عن ذلك فإن كان قد ساق معه مستجيبا ليهديه و ذلك فى الباطن مثل الهدى فى الظاهر قصد معه فإن وجد فى الموضع داعيا يدعوه دعاه، و إلا عرفه من أمر دينه بمقدار ما يجوز له تعريفه إياه مما يزيل به الشك عنه و ذلك مثل إراقة دم الهدى فى الظاهر الّذي مثله
[١] سورة الفتح: ٢٥.