تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٣٨
ثم إن الّذي يتلو ما تقدم ذكره من كتاب الدعائم من حج بيت اللّه الحرام «ذكر الدفع من عرفه إلى مزدلفة» قال اللّه عز و جل: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ» [١] قال الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه: كانت قريش تفيض من المزدلفة و يقولون نحن أولى الناس بالبيت من الناس، فأمرهم اللّه عز و جل بأن يفيضوا من حيث أفاض الناس و أن رسول اللّه (صلع) دفع من عرفة يعنى إلى المزدلفة حين غربت الشمس و قد شنق [٢] القصوى بالزمام حتى إن رأسها ليصيب رجله و هو يشير بيده اليمنى إلى الناس و يقول: أيها الناس السكينة السكينة و كلما أتى جبلا من الجبال أرخى بها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، و قال جعفر بن محمد عليه السلام: و إذا أفضت من عرفات فأفض و عليك السكينة و الوقار، و أفض بالاستغفار فإن اللّه تعالى قال: «أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» و أقصد فى السير و عليك بالدعة و ترك الوحيف الّذي يصنعه كثير من الناس، فهذا هو الواجب المأمور به فى ظاهر الحج، و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة مثل إفاضة المؤمنين بعد نقلة إمامهم الّذي هو قبل القائم إلى حجة القائم الّذي يقيمه لهم و يكون ذلك منهم بسكينة و وقار و خشوع لمصابهم بإمام زمانهم و لما ينتظرونه من قيام قائمهم الّذي لا يدرون كيف يكون حالهم عنده إذا كان السير بالجد و السرعة فعل المسرور المغتبط بما يسير إليه هؤلاء على خلاف ذلك من فجعتهم بإمام زمانهم و توقعهم بما لا يدرون من أحوالهم فيما يصيرون إليه و سبيل من كانت هذه سبيله الوقار و التأنى و الخشوع و الاستغفار الّذي أمر اللّه عز و جل به و سنة رسوله (صلع).
و يتلو ذلك قول على صلوات عليه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لما دفع من عرفات مر حتى أتى المزدلفة فجمع بها بين الصلاتين المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين، و عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال: من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس فعليه بدنة ينحرها، و قال لا تصل صلاة المغرب و العشاء الآخرة ليلة مزدلفة قبل أن تأتى مزدلفة، و إن ذهب ثلث الليل، و من فعل ذلك متعمدا فعليه دم، فهذا هو الواجب فى ظاهر الحج، و تأويله فى الباطن أن من ذهب عن إمام
[١] سورة البقرة: ١٩٩
[٢] شنق البعير أى شدّه بخطامه و هو راكب.