تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٥٥
و آله، و سنذكر القول فى ذلك و تأويله إن شاء اللّه و قد ذكرنا تأويل الحرم.
و أما قوله لا يهاج صيدها و لا يعضد شجرها، فتأويل ذلك ما قد تقدم القول به من أن الصيد مثله فى الباطن مثل الكسر على المخالفين بالحجة، فإذا انقطع المخالف و أذعن للحجة كان مثله مثل ما صيد من الوحوش النافرة، و إن مثل الشجرة مثل الناس، طيبها مثل لأهل الحق و خبيثها مثل لأهل الباطل، و إهاجة الشيء إثارته، و إهاجة المرء إغضابه و العضد القطع فى اللغة؛ فتأويل ذلك أنه من كان فى دعوة الإسلام لم ينبغ أن يقطع عنها فيخرج إلى غيرها و من أدخل فيها بالكسر و الاحتجاج عليه ممن كان فيه فى غيرها لم ينبغ لأحد من أهلها أن يهيجه بما يغضبه ليقطعه عنها القرب عهده بالإسلام، و لكن ينبغى أن يترفق به إلى أن يتمكن الإسلام من قلبه و يثبت عليه، و أما قوله إن طيرها ليس كطير مكة فتأويله ما قد تقدم القول به من أن مثل المدينة فى التأويل الباطن مثل دعوة محمد صلى اللّه عليه و آله، و مثل مكة مثل دعوة إبراهيم، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى ابتداء أمره يدعو بدعوة أبيه إبراهيم لأنه على ملته، و مثل ذلك مقامه كان بمكة فلما هاجر إلى المدينة أخلص لنفسه دعوة لزمها و ذلك مثل لزومه المدينة، و إنه لم يعد إلى مكة فيسكنها و هى داره و منشؤه كما كان كذلك على دعوة إبراهيم و قال: أنا دعوة أبى إبراهيم، و قد ذكرنا فيما تقدم أن أمثال الطير فى التأويل أمثال الدعاة، فلم يكن دعاة محمد صلى اللّه عليه و آله كدعاة إبراهيم صلوات اللّه عليه.
و يتلو ذلك ما جاء عن على صلوات اللّه عليه أنه قال: «من خرج عن المدينة رغبة عنها أبدله اللّه شرّا منها» قوله رغبة عنها هو أن يرى أن غيرها خير منها فيرغب عنها إلى ما يرى أنه أفضل منها، فأما من خرج عنها يبتغى وجها من الوجوه و هو عالم بفضلها معتقد له متمسك به فليس ذلك خروج رغبة عنها، و قد خرج هو عنها (صلى اللّه عليه و سلم) فأقام بالكوفة لعلة خروج الناكثين عليه و خرج كذلك عنها كثير من الصحابة و التابعين و غيرهم من المسلمين، و ذلك كذلك يجرى فى التأويل أن من خرج عن دعوة محمد صلى اللّه عليه و آله رغبة عنها فقد كفر و أبدله اللّه عز و جل باختياره شرّا، و من نظر فى أمر خالفها من الدعوات و المذاهب نظر من يريد أن يعلم ما عليه مخالفوه و هو متمسك بدعوة الإسلام غير راغب عنها فذلك