تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣١٧
بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ» [١] كما قال: «وَ قٰاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً» و جاء فى قتال أهل البغى فى كتاب دعائم الإسلام مثل ما جاء فى قتال المشركين، و أهل البغى فى التأويل من فارق أهل دعوة الحق بعد أن صار إليها، و تأويل جهادهم كتأويل جهاد المشركين إلا أنهم لا يغنم من أموالهم إلا ما أجلبوا به على أهل العدل و ذلك ما كان فى عسكرهم، و لا تسبى ذراريهم و لا نساؤهم فهذا هو الحكم فيهم فى الظاهر، و تأويل ذلك فى الباطن أنه لا يسقط من علومهم التى مثلها مثل الأموال على ما تقدم القول به إلا ما بانوا به عن أهل الحق و ذلك ما خرجوا به إليهم من مال و كراع و سلاح، و مثل ما خلفوه فى ديارهم مثل ما كانوا أفادوه فى دعوة الحق، و مثل نسائهم و ذراريهم مثل ما كان أفاد منهم ما انتحلوا من الحق و لم يبن معهم بالخلاف على أهل الحق، و كذلك الحكم فيهم فى الظاهر فيما جاء فى كتاب الدعائم أنهم إذا قوتلوا فانهزموا لم يتبعوا و لم يجهز على جريحهم إذا لم تكن لهم فئة يلجئون إليها، و كانوا يفترقون، و كذلك سار على صلوات اللّه عليه فى أهل الجمل، و عنه أخذ الناس الحكم فى قتال أهل البغى، و تأويل هذا فى الباطن أنه إذا احتج المؤمنون على من خالفهم من أهل الباطل فقطعوهم و لم يلجئوا إلى من يؤيدهم من أهل الضلال لم يتركوا على ما هم عليه فيهلكوا لكن يبصروا بما يحييهم، فإن لجئوا بعد المناظرة إلى من يفيدونه من أهل الباطل تركوا و لم يفادوا من الحق شيئا، و ذلك مثل موتهم كما قدمنا القول فيه و بيناه. و يتلو ذلك ذكر الحكم فيما مضى بين الفئتين، جاء فى كتاب الدعائم أن من قتله أهل العدل من أهل البغى فلا تباعة فيه على من قتله لأن قتالهم واجب بأمر اللّه عز و جل، و من علم أنه قتل أحدا من أهل العدل فى حرب أهل البغى قتل به، كذلك جاء عن على م و هو واجب الحكم، لأن المقتول من أهل البغى مستحق للقتل و المقتول من أهل العدل قتل مظلوما.
و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل القتل فى الباطن الترك على الضلالة، فإذا ترك أهل الحق أهل الباطل على ضلالهم و هم يستحقون ذلك فلا حرج عليهم فى ذلك، و أهل الحق ليسوا على ضلالة، و مثل قتل أهل الباطل لهم فى الباطن مثل ظلمهم إياهم فينتصر لهم منهم فيما ظلموهم فيه،
[١] سورة الحجرات: ٩