تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٢
بمجمرة و لكن يجمر الكفن، فهذه هى السنة فى بخور الميت أنه لا يبخر هو فى ذاته و لا يتبع جنازته بالبخور و لكنه يبخر كفنه و الموضع الّذي يغسل و يكفن فيه لا غير ذلك، و تأويله فى الباطن أن البخور دخان يتصعد فى الهواء و يتلاشى فيه و لا يستطاع ضبطه و لا يملك أخذه، و هو ضرب من الطيب يعلق بالثياب و يستنشق من الهواء إذا خالطه مع ما يستنشق منه و يصل إلى من أعطيه و إلى من لم يعطه و لم يقصد به إليه و لا يملك معطيه حبسه عمن لا يريد إعطاءه إياه، فمثله من العلوم مثل العلم الدنيوى الّذي ينتفع به فيها و يصل إليه من أراده من أهلها و يخترعه و لا يصحب المرء منه شيء إلى آخرته و إنما ينتفع به فى عاجل الدنيا و ظاهر أمرها، فما حضر المفيد من ذكره ذكره لمن يفيده لينتفع به فى عاجل أمره و ظاهره و لا يفانحه بذلك إذا نقله من حال إلى حال لأنه ليس مما يصلح ذكره عند ذلك، فلذلك كره أن يتبع به الميت فى الظاهر عند نقلته، و أن يبخر به كما يبخر الحى و إنما يبخر به كفنه الّذي مثله مثل الظاهر و مكانه الّذي مثله مثل محله من الدنيا.
و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على صلوات اللّه عليه أنه سئل عن المحرم يموت محرما، قال يغطى رأسه و يصنع به كما يصنع بالحلال خلا أنه لا يقرب بطيب، فالمحرم فى الظاهر هو الّذي أحرم بالحج، و ذلك إذا تجرد من الثياب عند الميقات و لبى بالحج فإذا فعل ذلك حرم عليه الطيب و النساء و غير ذلك مما سنذكره فى كتاب الحج، حتى يحل من إحرامه بعد أن يقضى الحج أن أحرم بالحج و العمرة إن كان معتمرا أو مثل المحرم فى الباطن مثل المستجيب الّذي قد أخذ عليه ميثاق دعوة الحق و لم يبلغ مبلغ المطلقين، و الطيب مثله كما تقدم البيان عند ذكره مثل ما يفاتح به المنقول من درجة من درجات دعوة الحق من العلم مما لم يكن قبل ذلك سمعه فيسر به و يطيب نفسه سماعه، و المحرم يعد فى أول درجات دعوة الحق لم ينقل منها إلى غيرها، فهذا العلم ممنوع منه إلى أن يبلغ الدرجة التى تجب له فيها سماعه.
و يتلو ذلك ما جاء عن على صلوات اللّه عليه أنه كفن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى ثلاثة أثواب.