تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٠٩
أربعة أشهر، فهذا هو الحكم فى الظاهر فى الموادعة و فسخها. و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من خصومة أهل الحق، و أهل الباطل فى الدين، و أنهم إن اتفقوا فى الترك ذلك لمدة ثم رأى أهل الحق أن فى ترك ذلك ما قد تداخل معه الشبهة على المستضعفين و أمثالهم من أهل الدين فلهم أن ينقضوا ما عقدوه و يتقدموا إلى أهل الخلاف فيه و يضربوا لهم أجلا مسمى للمناظرة عليهم و لا يتمادوا على ترك إقامة الحجة، و هم يعلمون أن الوهن يدخل من أجل ذلك فى الدين و إقامة الحجة على المخالفين من الدعاء إلى اللّه جل ثناؤه و سبيله و دينه، و قد افترض ذلك سبحانه فى كتابه فقال: «ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»، و يتلو ذلك مما فى كتاب دعائم الإسلام أن أهل الكتاب إن بذلوا الجزية قبلت منهم و لم يجز حربهم، يعنى إذا كانوا تحت حكم الإسلام لقول اللّه عز و جل: «قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ» فبين بذلك أنهم إذا أعطوا الجزية رفع عنهم القتال، فهذا فى الظاهر كذلك يجب، و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن أهل الخلاف إذا استسلموا لأهل الحق و دخلوا تحت حكمهم و سلطانهم و تركوا الأحكام فى الظاهر بما كانوا يذهبون إليه من العلم الّذي استنبطوه و ذلك مثل إعطاء الجزية على ما قدمنا ذكره تركوا على ما هم عليه و سقطت مناظرتهم إلى ما يذهبون إليه لاستسلامهم فيه، و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلع) من النهى عن التعدى على المعاهدين، و قال:
«لا تقوم الساعة حتى يؤكل المعاهد كما تؤكل الخضر»، و قد تقدم القول بباطن ذلك و التعدى فى الظاهر و الباطن منهى عنه لقول اللّه سبحانه: «وَ لٰا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلع) من النهى عن وضع الجزية عمن وجبت عليهم و قول جعفر بن محمد من استعين به من أهل الذمة على حرب المشركين طرحت عنه الجزية، فالذى جاء فى هذا عن رسول اللّه (صلع) مجمل، و هذا مفسر، و طرح الجزية عمن احتيج إليه من أهل الذمة فى الحرب فأعان فيها كالأجرة يعطاها على ما تولاه من ذلك و هذا فى الظاهر هو الواجب فى الجزية.