تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٢٧
فى قريتك زراعا صالحا فمن أين فيه الزوان؟ فقال لهم هذا صنيع رجل عدو، فقال له عبيده أ يسرك أن ننطلق فنلتقطه، فقال لهم لعلكم إن لقطتم الزوان أن تقلعوا الحنطة و لكن دعوهما كليهما ينبتان إلى الحصاد، فإذا كان وقت الحصاد قلت للحصاد ابدءوا فاقلعوا الزوان و حزموه حزما ليحرق بالنار، و أما الحنطة فأجمعوها إلى الهواء. كلم بهذا المثل و غيره من الأمثال أصحابه قالوا له: فسر لنا مثل الزوان و القرية، فأجاب و قال لهم الّذي زرع الزرع الصالح هو ابن البشر يعنى نفسه، و القرية هى الدنيا، و الزرع الصالح بنو الملكوت، و الزوان أبناء البشريين و العدو الّذي الّذي زرعه هو الشيطان، و الحصاد هو منتهى الدنيا و الحصّاد الملائكة، و كما يلتقط الزوان و يحرق بالنار كذلك يكون آخر هذا العالم يرسل ابن البشر عليهم ملائكته فيلتقطون من ملكه جميع المسيئين و عمال الفجور فيلقونهم فى أتون النار، ثم يكون البكاء و تصريف الأسنان عند ذلك يضيء الصديقون مثل الشمس فى ملكوت أبيهم من كانت له أذنان سامعتان فليسمع فأخبر فى هذا المثل أنه إنما يحصد ما زرع و يميز بين أهل دعوته و من كان فى ملكه، لا زرعه غيره و لا من كان فى دعوة من سبقه و لا من جاء من بعده من أنبياء اللّه و رسله إلى عباده الذين دعوهم كما دعا هو من كان فى عصره، إذ ليس لأحد أن يحصد زرع غيره و لم ينظر فى ملك من سواه، و فى إنجيلهم عنه فى مثل آخر مثله فيما زعموا لهم فقال: يشبه ملكوت السماء مصيدة وقع فيها فى البحر كل جنس من الحيتان فامتلأت فأصعدوها إلى الساحل و اختاروا ما فيها و جعلوا الخيار فى الغرائر و رموا بالرديء برّا، كذلك تكون فى منتهى العالم يخرج الملائكة فيعزلون الأشرار من بين الصديقين فيقذف بهم فى أتون النار، ثم يكون البكاء و تصريف الأسنان. فأخبر فى هذا المثل أن الّذي يفعل ذلك جماعة ملائكة و هم الذين ملكوا أمور العباد من أولياء اللّه، و فى إنجيلهم أيضا مما حكوه عن المسيح عليه السلام قال: إذا جاء ابن البشر [١] فى مجده و جميع ملائكته الأطهار معه عند ذلك يجلس على عرش مجده فيجتمع إليه جميع الشعوب ثم يميز بعضهم من بعض مثل الراعى يميز بين الحملان و الجديان، يقيم الحملان عن يمينه و الجديان عن شماله، عند ذلك يقول الملك للذين عن يمينه هلموا إلى أيها
[١] المكتوب فى الأناجيل الموجودة كلمة ابن الإنسان و النص المنقول عن المكتبة الفاطمية.