تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٠٥
الإمام و السعى إليه، و مثل العمرة مثل طلب حجته و السعى إليه و قد تقدم بيان ذلك، فما أوجب من الجزاء على من قصد كل واحد منهما كان عليه أن يجزيه فى حد بحسب ما يوجبه ذلك الحد، و يتلو ذلك من كتاب الدعائم.
ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه نهى أن ينفر صيد مكة و أن يقطع شجرها و أن يختلى خلأها و رخص فى الإذخر و عصى الراعى، و قال من أصبتموه اختلى أو عضد الشجر أو نفر الصيد يعنى فى الحرم فقد حل لكم سلبه، و أوجعوا ظهره بما استحل من الحرام، و عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال:
و يتصدق من عضد أو اختلى شيئا من الحرم بقيمته فهذا فى الظاهر هو الواجب على من فعل هذا فى الحرم فى الظاهر، و الحرم فى الظاهر مكة و ما حولها من حدود الحرم و ثم أعلام حدوده و مناره إلى قرب المواقيت التى يحرم منها، و تأويل ذلك فى الباطن أن الحرم فى الجملة حد المحرم فى الباطن و قد بينا ذلك فيما تقدم، و الحرم فى اللغة المنع، و منه التحريم و مكة فى اللغة من المكاكة، و المكاكة المخ، يقال لمن أخرج المخ من العظام أخرج مكاكته فتمككها و امتكها إذا امتص ذلك المخ، و يقال لها بكة لقول اللّه عز و جل: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ... الآية» [١] و قيل سميت بكة من البك، و البك فى اللغة دق العنق، و قيل سميت بذلك لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم لم يناظروا، و البك أيضا فى اللغة الدفع، و قيل سميت بذلك لأن الناس يبك فيها بعضهم بعضا فى الطواف، أى يدفع بعضهم بعضا لسرعة كل واحد منهم فى ذلك، و قد تقدم القول بأن مثل البيت مثل صاحب الزمان من كان من رسول أو إمام، و سيأتى تمام البيان فى ذلك عند ذكر البيت إن شاء اللّه، و ذكرنا أن المدينة فى التأويل الباطن مثل الدعوة صاحب الزمان، و دعوة صاحب الزمان لا يفاتح فيها أحد إلا عن أمره و إطلاقه، و هى حرم أى ممنوعة من ذلك، و تأويل النهى عن تنفير صيدها أن دعوة الحق لا يجوز لأحد أن ينفر من شرد عنها، و قد ذكرنا أن أمثال الشاردين عنها أمثال الوحوش، و لكن يلاطفون حتى يصلوا إليها، كذلك دعوة الحق تدق أعناق الجبابرة كما قيل ذلك فى بكة، و هى أيضا زبدة الحق و مخه، كما جاء أن ذلك كذلك معنى مكة، و كذلك بتسابق
[١] سورة آل عمران: ٩٦.