تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٣١
لأن جبرئيل كان عليه السلام قد عرف إبراهيم (صلع) بالموقف فأضله فسأله عنه فعرفه به، فقال عرفته، و قيل بل كان يقول كلما أعلمه شيئا من المناسك فلما صار إلى عرفة قال له أ عرفت قال نعم، و قيل بل سميت عرفة من العرف و هو ريح الطيب، و قيل بل سميت عرفة لخضوع الناس فيها و صبرهم على القيام بها، و العارف فى اللغة الصابر الخاضع المتذلل، و قيل بل سميت عرفة لأن آدم و حواء لما أهبطا من الجنة افترقا فاجتمعا بها فتعارفا، فسميت لذلك عرفة، و هذه المعانى كلها تجتمع ظاهرها كما ذكرنا فى منى و عرفة، كذلك يجتمع باطن ذلك فى باطنهما فباطن منى فى وجه من التأويل الداعى إلى دعوة الحق فهو أول حدود؟؟؟ المستجيبين إلى دعوة الحق و عنه يأخذ أمر دينه و به يبدأ، كما ذكرنا أن مثله كذلك مثل؟؟؟ صورة الإحرام فى الظاهر، و منه يبتدأ الحج و العمرة معا، و العمرة المفردة و الحج فلذلك كان أول منزل ينزله من خرج من مكة يريد الحج منى، فإذا وقف بمواقف الحج عاد إليها و أقام بها حتى يقضى مناسك حجه، كذلك بعد أن يقف بعرفة و مزدلفة و يقضى مناسك الحج من يحج فى الظاهر يقيم بمنى أيام التشريق، و كذلك المستجيب إذا وقف على معالم دينه و علم أسباب ولى زمانه لزم داعيه، و من قولهم إن منى سميت منى للتقدير فكذلك عند الداعى يجد المستجيب تقدير أمر دينه، و هو يقدر ذلك و ينقله فيه، و قولهم إنما سميت بذلك لما يراق فيها من الدماء و يلقى فيها من الفرث، و قد ذكرنا أن مثل تلك الأوساخ التى تلقى هناك مثل الشك و الشرك و غيرهما من الخبائث التى يتخلى منها المستجيب عند الداعى و يلقيها عن نفسه لديه حين يدعوه و يأخذ عليه، و قولهم إنها مما من اللّه به على عباده فكذلك الدعاة إلى اللّه هم من منن اللّه عز و جل على خلقه، و عرفة تأويلها، و مثلها فى هذا الوجه من الباطن حد الداعى و مفيده الّذي ينتهى إليه و يأخذ عنه و هو رئيسه الّذي به عرف أمر دينه، فهذا مما قيل إنها سميت به من التعريف، كما ذكرنا و أما ما قيل إنما سميت بذلك اشتقاقا من العرف و هو ريح الطيب، فقد تقدم القول بأن باطن الطيب فى التأويل العلم، و من ذلك الخبر المأثور عن رسول اللّه (صلع) أنه قال: «حبب إلى النساء و الطيب» عنى باطن ذلك الّذي هو العلم و من يحمله عنه من أسبابه الذين أمثالهم أمثال نسائه، و أما ما قيل إنها سميت عرفة