تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٠٨
المطر. و الجلد: الأرض الصلبة، و يقولون: صامت الريح إذا ركدت فلم تهب، و صامت الشمس إذا استوت فى وسط السماء فلم يكد حركتها أن تبين للناس لبعدها فكأنها عندهم قائمة لا تتحرك و إن كانت سائرة، و من ذلك قول شاعرهم:
إذا صام النهار و هجرا. و قال آخر: و الشمس حيرى لها فى الجو تدويم.
و إنما قالوا ذلك و نسبوها إلى الوقوف إذا لم يروا لها حركة فى الظل، و كذلك يكون الظل إذا استوت الشمس فى وسط الفلك تخفى حركته لبعد الشمس كما ذكرنا.
فكان كذلك الصوم الظاهر الإمساك فى النهار عن الطعام و الشراب و الجماع و مما يفسد الصوم مما سيأتى ذكره و تأويله الّذي هو الصوم الباطن كتمان علم باطن الشريعة عن أهل الظاهر و الإمساك عن المفاتحة به ممن يؤذن له فى ذلك كما جاء فى اللغة أن الصوم يكون الإمساك عن الكلام و الوقوف عن الأعمال و النهار كما تقدم القول و البيان عنه، مثله مثل الظاهر و أهله و الليل مثله مثل الباطن و أهله و لذلك كان الصوم فى النهار دون الليل ليصح ذلك ظاهرا و باطنا و يطابق بعضه بعضا و يطرد القول فيه و يصح معانيه، كذلك المفاتحة بالباطن لا تجوز لأهل الظاهر و تجوز لمن يطلق له من أهل الباطن و فى حد ذلك و مكانه، فهذه جملة من القول فى ظاهر الصيام و باطنه، و يتلو ذلك من كتاب الدعائم ذكر وجوب صوم شهر رمضان و قول الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه: صوم شهر رمضان فرض فى كل عام، فشهر رمضان شهر من شهور السنة معروف، و السنة اثنا عشر شهرا، فمثل السنة فى التأويل الباطن مثل الناطق صاحب الشريعة، و هو فى شريعة الإسلام محمد النبي صلى اللّه عليه و آله و قيل ذلك لأن الناطق صاحب الشريعة و هو يسن الحكمة و يأتى من قبل اللّه عز و جل بعلم الشريعة، و لأن جماع أمر الشريعة له و هو يدبر ما فيها و يحكمه كما تدور السنة على كل ما يجرى فيها فى دورها، فكذلك الناطق الّذي هو صاحب الشريعة، مثل شهور الاثنى عشر مثل نقباء صاحب الشريعة الاثنى عشر، و قد تقدم القول بالبيان عنهم و شرح مراتبهم و أحوالهم، و من ذلك قول اللّه عز و جل: «وَ بَعَثْنٰا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً» [١]. و كذلك كان نقباء موسى عليه السلام، كذلك أيضا نقباء عيسى عليه السلام اثنى عشر، و هم الحواريون
[١] المائدة: ١٢