تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٩
الطعام و الشراب، لأن اللّه عز و جل يقول: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» [١] فأما إن كان أحدهما أعلم بذلك أو أحد نظرا من الآخر فعلى الّذي هو دونه فى العلم و النظر أن يقتدى به، و عنه صلوات اللّه عليه أنه قال: «من رأى أن الشمس قد غابت فأفطر و ذلك فى شهر رمضان ثم يتبين له بعد ذلك أنها لم تغب فلا شيء عليه؛ فهذا هو الحكم فى ظاهر الصوم أنه من كان من أهل العلم بدخول الليل و النهار فأكل و شرب أو جامع و هو يرى أنه فى ليل لم يكن عليه شيء، و إن كان فى نهار فكذلك حاله إذا رأى وجوب ذلك له عند غيبوبة الشمس، فإن لم يكن بذلك عالما لم يقدم على شبهة و عليه أن يقتدى بأهل العلم بذلك، و تأويل هذا فى الباطن أن من فاتح بالتأويل ممن تجوز له المفاتحة به قوما لا يشك فيهم أنهم ممن تجوز له مفاتحتهم و هو عالم بهم، و كانوا أو كان فيهم من لا تجوز مفاتحته من حيث لم يعلم هو بذلك أنه لا شيء عليه، و إن كان غير عالم بهم لم يجز له أن يفاتحهم حتى يسأل من يثق به من أهل الخبرة بهم و يستيقن أنهم ممن تجوز له مفاتحتهم، و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه رخص فى الكحل للصائم إلا أن يجد طعمه فى حلقه، و رخص له كذلك فى مضغ العلك و الطعام للطفل و ذوقه بفمه ما لم يصل منه شيء إلى حلقه كما أن له أن يتمضمض بالماء، هذا هو الحكم فى الصائم فى ظاهر الأمر، و تأويل ذلك فى الباطن أنه من رمز بالتأويل أو أشار إليه ممن لم يؤذن له فى المفاتحة به رمزا خفيّا أو إشارة مبهمة لا يكاد من سمع ذلك منه أن يفهم مراده بذلك أنه لا شيء عليه إلا أن يفهم السامع ذلك ما أراده؛ فإن كان ذلك فعليه أن يكفر عن فعله ذلك بما قدمنا ذكره، و يتلو ذلك ما جاء عنه عليه السلام أنه سئل عن الصائم يحتجم فقال:
أكره له ذلك مخافة الغشى و أن يثور به مرة فتقيأ فإن لم يتخوف ذلك فلا شيء عليه، و يحتجم إن شاء؛ فهذا هو الّذي يؤمر به الصائم فى الظاهر و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الدم مثل العلم و بالدم تكون الحياة الظاهرة كما بالعلم الحياة الباطنة و ما فسد من الدم الظاهر وجب إخراجه و إراقته، و كذلك ما فسد من العلم وجب رفضه و اطراحه فإن كان من قد صار إليه علم فاسد على يقين
[١] سورة البقرة الآية: ١٨٧.