تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٥٢
منهم إلا بعد المعرفة بمن جاء بذلك عنه و تصديقه فيه و طاعة من أمر اللّه عز و جل بطاعته من أوليائه الذين نصبهم عز و جل للدلالة عليه و بيان ما افترضه اللّه على عباده لمن افترض ذلك عليه لأن عاملا لو عمل بجميع ما افترضه اللّه على عباده و هو لا يعرف الرسول الّذي جاء بفرض ذلك عنه سبحانه و لا يقربه لم يقبل اللّه جل ذكره ذلك منه حتى يقر بالرسول و يصدقه فيما جاء به عن اللّه سبحانه و يطيعه، و من قرن اللّه عز و جل طاعته بطاعته من أولى الأمر الذين نصبهم أعلاما لعباده، و قد أكدنا ذلك فيما تقدم بكلام كثير فى غير موضع يطول ذكره، و إن أعدناه يكون تكرارا و كذلك ذكرنا ما أبناه أيضا و أوضحناه و جئنا بالشواهد من الكتاب عليه أن العمل لا يقبل من عامل حتى يأتى به ظاهرا و باطنا، كما أنه لو عمل ذلك العمل بظاهر جوارحه و لم ينوه و لم يعتقده بباطن قلبه لم يجزه. و قال جل ذكره: «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً» و قال: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» [١] و من أعظم ما أنعم اللّه به على عباده المؤمنين ما أوجبه عليهم من الطاعات و الأعمال الصالحات التى تفضى بهم إذا عملوها إلى دار الخلود و نعيم الأبد، فذلك كما أخبر اللّه سبحانه ظاهرا و باطنا قال جل من قائل: «وَ ذَرُوا ظٰاهِرَ الْإِثْمِ وَ بٰاطِنَهُ» و قال: «قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ» فمن عمل بظاهر الطاعات و رفض ظاهر الإثم و الفواحش و عمل بباطنها لم يكن رافضا لها، و كذلك من حج فى الظاهر و رفض حج الباطن أو حج فى الباطن و رفض الحج الظاهر لم يقبل ذلك منه حتى يأتى بذلك ظاهرا و باطنا فإذا فعل ذلك كان مؤديا لما افترض عليه و كان من الفضل الّذي حض به عليه و الثواب الّذي بشر به، و هذا مما لا يجهله إلا غبى جاهل و لا يدفعه إلا مكابر أو معاند، فالذى جاء فى هذا الباب الّذي ذكرنا جملة ما فيه من فضائل الحج و أهله فإنما يكون ذلك لمن أكمله و جاء به على ما أوجبه اللّه عز و جل من معرفة الدليل، و كمال الفرض على ما وصفناه و شرحناه و بيناه و أوضحناه، فلو كان ظاهر ما نعبد اللّه عز و جل به العباد من الأعمال لا باطن لها و لا سر تحتها، و لا معنى لظاهرها غير الّذي أقيم من ذلك لكانت معراة من الفوائد و الحكمة و لكان فيها مقال للأمة، و لو ذكرنا ما مضى ذكره من ذلك فى هذا الكتاب و ما هو آت
[١] سورة التكاثر: ٨