تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٨٨
مِنَ الشّٰاكِرِينَ» فقوله تغشاها يعنى ما يتغشى الناطق بالوحى من ذلك العلم فيخف عليه فى الوقت، و كلما تطاول الأمر به قبل أن يؤديه إلى من أمر بأدائه إليه فى الوقت المحدود له ثقل ذلك عليه كما يثقل الدين على من يريد أداءه حتى يقضيه من يجب له، فكان العلم الّذي أداه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلى بابه من الّذي يجب له من العلم فى حده ذلك هو الواجب عليه فى ذلك الحد و هو أول ما يرقى إليه من يصير الأمر إليه من بعد الناطق و يقوم مقامه من بعده و ذلك مثل واجب الزكاة فى خمس و عشرين من الإبل و هى بنت مخاض، و ذلك أن أول أسنان الإبل و هو أن يتم لها سنة و ذلك أول ما يحمل عليها أخف شيء يحمله و هو حد البابية فى الباطن الّذي ذكرناه.
و قد ذكرنا أن الإبل أمثال النطقاء، فكان أفضل النقباء من الأربعة الذين دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بعد على صلوات اللّه عليه أخوه جعفر بن أبى طالب عليه السلام، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله جزيرة العرب لعلى عليه السلام و أقامه بابا له على ما قدمنا ذكره و من ذلك قوله صلى اللّه عليه و سلم: على سيد العرب، فقيل يا رسول اللّه أو لست سيد العرب فقال أنا سيد ولد آدم و لا فخر و على سيد العرب» و كان أقرب الجزائر إليه و أهمها عليه بعد ذلك جزيرة الحبش لما هاجر إليها من المسلمين الذين فتنهم المشركون و لجئوا إلى النجاشى ملكها، و أرسل إليها المشركون بهدايا مع عمر و بن العاص و غيره ليردهم إليهم فجعل أمرها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لجعفر بن أبى طالب و أخرجه إليها و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يومئذ بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة فوصل جعفر بن أبى طالب عليه السلام إلى النجاشى فدعاه إلى الإسلام فأسلم و من معه و أقام فيهم إلى أن هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلى المدينة و استأذن فى القدوم عليه فأذن له بعد ذلك بمدة، و وصل إليه يوم فتح خيبر فأعظمه و قبل بين عينيه و قال: ما أدرى بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر، و كان الاثنان الباقيان من الأربعة مع على صلوات اللّه عليه حمزة بن عبد المطلب و عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب و هم الذين أبرزهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يوم بدر إلى قتال من برز للقتال من المشركين، لما دعوا إلى المبارزة لأنهم كانوا أفضل أسبابه و كان جعفر بن أبى طالب يومئذ بأرض الحبشة فأبرز عليّا و حمزة و عبيدة فقتلوا من بارزهم من المشركين يومئذ، فأنزل اللّه عز و جل فيهم يومئذ لما تبارزوا