تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٦٤
ابن خالد أمير المدينة لوجع أصابه فى جوفه فعاده أبو [١] محمد بن على عليه السلام، فقال له: ألا أحدثك حديثا حدثنيه أبى عن أبيه عن جده عن على صلوات اللّه عليه، قال:
و ما هو يا أبا جعفر؟ قال: قال على صلوات اللّه عليه اشتكى رجل إلى رسول اللّه صلى عليه و آله وجعا يجده فى جوفه فقال له خذ شربة من عسل و ألق فيها ثلاث حبات من شونيزا أو خمسا أو سبعا و اشربه تبرأ بإذن اللّه؛ ففعل فبرأ فافعل ذلك أنت تبرأ بإذن اللّه، فاعترض رجل ممن كان فى المجلس فقال يا أبا جعفر قد روينا هذا الحديث كما قلت و جربنا ذلك فما رأيناه ينفع، فغضب أبى رضوان اللّه عليه و قال:
إنما ينفع اللّه بهذا أهل الإيمان و اليقين، فأما منافق يأخذه على غير تصديق لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و إنما يأخذه على سبيل التجربة فليس ينفعه اللّه به فأفحم الرجل و خجل؛ و كذلك هذا و كل شيء من أعمال الخير إذا لم تصحبه النية و الإخلاص لم ينتفع به صاحبه فى عاجل و لا آجل و لا فى ظاهر و لا فى باطن، و تأويل ذلك فى الباطن أن كل ذى علم لا يعمل به و لا يبذل الواجب فيه لمن أطلق له بذله يهلك لذلك علمه، و معنى هلاكه أنه لا ينتفع به صاحبه كما لا ينتفع بكل شيء إذا هلك، و يتلوه ما جاء عن على صلوات اللّه عليه أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ما كرم عبد على اللّه إلا ازداد عليه البلاء، و لا أعطى رجل زكاة ماله فنقصت من ماله، و لا حبسها فزادت فيه، و لا سرق سارق شيئا إلا حسب من رزقه»، فهذا هو كذلك فى الظاهر و الباطن، أما فى الظاهر فإن من كان له مال تجب فيه الزكاة فأخرجها منه لم ينقص ذلك من ماله لأن الخارج فى الزكاة ليس هو من ماله، و إنما هو شيء فى يديه لغيره، فماله بحاله لم ينقص منه شيء، و أما فى الباطن فإن المفيد إذا أفاد من يفيده ما عسى أن يفيده من العلم فأخذه عنه لم ينقص ذلك من علم المفيد شيئا: و هذا من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله، زكاة العلم بذله، و كذلك من عمل بعلمه عملا يطهره و يزكيه لم ينقص ذلك شيئا من علمه، و قوله صلى اللّه عليه و آله: «ما كرم عبد على اللّه إلا ازداد عليه البلاء فالبلاء» هو الاختيار و الامتحان و من أريد به حال من أحوال الكرامة فلا بد من أن يختبر قبل ذلك و يمتحن ليعلم ما هو عليه لما يرد به، و قوله: و لا سرق سارق شيئا إلا حسب من رزقه يعنى الّذي
[١] أبى (فى ى و، ع).