تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٩٨
يدعوا»، يعنى إذا لم تكن بلغتهم الدعوة و إن بلغتهم و أكدت الحجة عليهم بالدعاء فلا بأس، و إن قوتلوا قبل الدعاء و كانت الدعوة قد بلغتهم فلا حرج، و قد أغار رسول اللّه (صلع) على بنى المصطلق و هم غادرون فقتل مقاتلهم و سبى ذراريهم، و لم يدعهم فى الوقت، و قد قال أمير المؤمنين فى ذلك: قد علم الناس اليوم ما يدعون إليه فهذا هو الحكم فى الدعاء إلى الإسلام فى الظاهر، و تأويل ذلك فى الباطن أن من دعا إلى دعوة الحق و رغب فيها من لم يكن وصل إليها و لا عرفها فقد أصاب فى ذلك و هو الواجب على من أطلق ذلك له و الّذي ينبغى له أن يفعله و إن كان الداعى قد عرف و الدعوة قد اشتهر أمرها، فليس على الداعى أن يعرض الدخول فيها من لم يرغب فى ذلك و لا أراده و إن فعل ذلك تأكيدا للحجة على من بلغه ذلك فلا بأس بذلك أن يفعله و إن تركهم فأعرض عنهم إذا كانت الدعوة قد بلغتهم فلا حرج عليه فى ذلك، و ذلك تأويل قتل المشركين فى الباطن لأن الكفر و الضلال موت، كما بينا ذلك فيما تقدم، قال اللّه جل من قائل: «أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ» يعنى كافرا فهديناه للإيمان و قال: «أَمْوٰاتٌ غَيْرُ أَحْيٰاءٍ» و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلع) أنه أمر بإعلام الشعار قبل الحرب، و قال و ليكن فى شعاركم اسم من أسماء اللّه قال ذلك من الاستحباب و قال ذلك بعد يوم بدر، فأما شعار المسلمين يوم بدر فكان يا منصور أمت، و كان شعار المهاجرين و شعار الأوس يوم أحد يا بنى عبد اللّه، و شعار الخزرج يا بنى عبد الرحمن، و سأل رسول اللّه (صلع) قوما من مزينة عن شعارهم، فقالوا حرام، فقال بل شعاركم حلال، فالشعار فى ظاهر الحرب كلام تتوطأ [١] عليه القبائل أو كل فرقة فإذا اختلط الناس أو خالطهم العدو تداعوا به ليعرف بعضهم بعضا.
و تأويل الشعار فى الباطن علامة يجعلها الداعى عند من يأخذ عليه من المؤمنين، فإذا ادعى الإيمان مدع، و لم يعرف سئل عنها، فإن جاء بها عوف أنه ممن أخذ عليه العهد، و قد تختلف هذه العلامات عند الدعاة و ذلك أن يجعل الداعى لمن دعاه علامة خلاف ما يجعله غيره من الدعاة، فيعلم بذلك أهل كل طبقة بعضهم بعضا، و الشعار فى اللغة العلامة، و منه مشاعر الحج أى معالمه، و قد ذكر ذلك فيه،
[١] نتواطأ (فى ى).