تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٩٦
من وجهه حلال محلل و العمل لأئمة الجور، و من أقاموه و الكسب معهم حرام محرم و معصية للّه عز و جل، فهذا كذلك هو من الواجب فى الظاهر و الباطن فظاهر العمل ما كان بالجوارح، و باطنه ما كان بالنية و الاعتقاد، و لا يكون العمل الصالح لمن يجب العمل له مقبولا حتى يكون ظاهرا بظاهر الجوارح، و باطنا باعتقاد القلب، كما تقدم القول بذلك، و بأن الأعمال لا تقبل إلا أن تصحبها النيات و لا تصح حتى تكون ظاهرة و باطنة، و كذلك العمل لمن لا يجوز العمل له إنما يكمل إثمه إذا كان ظاهرا و باطنا و إن كان العامل مكرها على ذلك العمل و لا يعتقده بقلبه لم يكن عليه شيء لقول اللّه سبحانه: «إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» [١] و يتلو ذلك «ذكر الأفعال التى ينبغى فعلها قبل القتال».
و قد ذكرنا من هذا الباب وصايا رسول اللّه (ص) أمراء الجيوش و السرايا.
و يتلوه ما جاء عن على صلوات اللّه عليه أنه رأى بعثه العيون و الطوالع بين يدى الجيوش، و قال إن رسول اللّه (ص) بعث عام الحديبية بين يديه عينا له من خزاعة فالعين و الجاسوس فى الظاهر إنما يبعث ليتجسس أخبار العدو، و يرى ما يظهر إليه و ما يقف عليه من أحواله، و يرجع بذلك إلى من يبعثه إليه، و مثل ذلك فى الباطن جهاد النفس الأمارة أن يتأمل من دعته نفسه إلى معصية من معاصى اللّه عز و جل قبل أن يتورط فيها فيما يعقبه إذا فعلها من عار الدنيا و شهوتها و النقص فيها و ما يخشى من عاجل عقوبتها و ما ينتظر من ذلك و يخشى فى الآخرة التى هى أشد عذابا و أبقى، و إلى ما أعد اللّه عز و جل فيها لمن أصلح و أتقى مع عاجل السلامة و حسن الثناء فى الدنيا ليحميه ذلك من الوقوع فى المهالك و يعقبه سلامة العاجل و الآجل، كما تبعث العيون و الجواسيس كذلك فى الظاهر لاختبار أحوال الأعداء الذين أمثالهم أمثال الأنفس الأمارة بالسوء، لينظر فى أمرهم و يتحفظ من شرهم.
فافهموا أيها المؤمنون من أحكام ظاهر الدين و باطنه ما تسمعون فهمكم اللّه ذلك و أعانكم على إقامته و صلى اللّه على محمد نبيه و على آله الطاهرين و سلم تسليما و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
[١] سورة النحل: ١٠٦