تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٩٢
المجلس السادس من الجزء الثانى عشر: [من هم أولو الأمر الذين أمر اللّه عز و جل بطاعتهم؟]
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه بديع السموات و الأرض و خالق ما فيهما و جاعل الشمس و القمر آيتين و مجريهما، و صلى اللّه على خاتم النذر، محمد و آله خير البشر، ثم إن الّذي يتلو ما تقدم ذكره من تأويل الجهاد مما فى كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن على صلوات اللّه عليه أن رسول اللّه (ص) بعث سرية و استعمل عليهم رجلا من الأنصار و أمرهم أن يطيعوه، فغضب ذات يوم عليهم فقال: أ ليس قد أمركم رسول اللّه (ص) أن تطيعونى؟ قالوا نعم، قال فاجمعوا حطبا فجمعوه فقال أضرموه نارا ففعلوا، فقال لهم ادخلوها، فهموا بذلك؛ ثم جعل بعضهم يمسك بعضا و يقولون إنما فررنا إلى رسول اللّه من النار، فما زالوا كذلك حتى خمدت النار، و سكن غضب الرجل؛ فبلغ ذلك رسول اللّه (ص) فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة فى المعروف، و قال على صلوات اللّه عليه: لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، فهذا خبر جاء على ظاهره، و تأويله أن اللّه عز و جل أمر بطاعته و طاعة رسوله و طاعة أولى الأمر من أئمته فقال جل من قائل:
«أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [١] و أولو الأمر الذين لهم الأمر كله هم الرسول فى وقته، و أئمة الهدى من آله من بعده، و المعروف فى لسان العرب أنه إنما يقال ولى الأمر لمن يكون له الأمر كله، فأما إن كان ولى أمر شيء دون شيء فإنما يقال ولى أمر لذلك الشيء الّذي يلى أمره، و قد اختلف العوام فى ذلك فقال بعضهم ولاة الأمر الذين أمر اللّه عز و جل بطاعتهم أمراء السرايا، و قال آخرون: العلماء يعنون علماءهم بزعمهم، و رووا عن الحسن بن صالح بن حي أنه دخل مع جماعة من أصحابه و كان من فقهائهم، إلى أبى عبد اللّه جعفر بن محمد (ص) فسألوه عن مسائل كان منها أن قالوا من أولو الأمر الذين أمر اللّه عز و جل بطاعتهم؟ فقال العلماء:
فلما خرجوا قال ابن صالح لأخيه ما صنعنا شيئا، ارجع بنا فرجعا إلى أبى عبد اللّه
[١] سورة النساء: ٥٩