تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧٦
فى سبيل اللّه، و أبخل الناس من بخل بالسلام»، فالذى يجود بنفسه فى سبيل اللّه هو الّذي باعها من اللّه على ما ذكره سبحانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم بالجنة على ما ذكرنا من ظاهر ذلك و باطنه، و الّذي يبخل بالسلام فى التأويل هو الّذي يبخل بتسليمها فى ذلك، و يتلوه ما جاء عن رسول اللّه (ص) من قوله: «لما دعى موسى و هارون قال اللّه عز و جل: قد أجبت دعوتكما و من غزا فى سبيلى استجبت له كما استجبت لكما»، تأويل ذلك أن الغزو فى سبيل اللّه مثله هاهنا ما تقدم القول به الدعاء إلى اللّه كما كذلك الغزاة المجاهدون فى سبيله جل و عز دعاة إليه يدعون المشركين إلى الإيمان به و إن امتنعوا من ذلك جاهدوهم، و كذلك دعا موسى و هارون فرعون و ملأه إلى اللّه فلم يستجيبوا لهما فعند ذلك قال: «رَبَّنٰا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوٰالًا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا ... إلى قوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمٰا» [١] و وعد كذلك جل و عز من دعا إلى سبيله على لسان رسوله (ص) أن يستجيب له كما استجاب لهما.
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (ص) أنه قال: من اغتاب غازيا فى سبيل اللّه أو آذاه أو أخلفه بسوء فى أهله نصب له يوم القيامة علم فيستفرغ خيانته ثم يركس فى النار، فهذا وعيد اللّه جل و عز لمن آذى مجاهدا فى سبيله جهادا ظاهرا و باطنا، و قد ذكرنا باطن الجهاد و الغزو، و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (ص) أنه قال: «فوق كل برّ بر، حتى يقتل الرجل فى سبيل اللّه و فوق كل عقوق عقوق، حتى يقتل الرجل أحد والديه»، فهذا فى الظاهر كذلك أن أفضل البر و أعظم الأجر القتل فى سبيل اللّه، و أعظم الآثام و الذنوب و العقوق قتل أحد الوالدين، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الموت مثل النقلة من حد إلى حد من حدود الدين، كما هو كذلك نقلة من الدار الدنيا إلى الدار الآخرة، فإن ذلك يجرى على وجهين، نقلة من حد إلى ما هو فوقه لمن جوزى باحسان، و نقلة من حد إلى ما هو دونه لمن عوقب بسوء، كما كذلك تكون النقلة من دار الدنيا إما إلى جنة و إما إلى نار، و الموت عدل من اللّه على العباد كما كذلك يكون نقلتهم ممن يلى ذلك من أوليائه و أسبابهم عدل عليهم، و الموت بالقتل على ضربين، مقتول يستحق القتل و يجوز لقاتله قتله، فذلك كالموت العدل من اللّه عز و جل، و مقتول
[١] سورة يونس: ٨٨.